الصفحة 190 من 372

آلاف السنين). [1] فهذه الجبال البركانية تتكون من مقذوفات البراكين التي ترتفع من فوهتها ثم تسقط على جوانبها، وبهذا يلقيها الله إلقاءً. [2]

الضابط اللغوي في التفسير العلمي:

لقد جاء التعبير في هذه الآيات إما بالفعل (جعل) أو الفعل (ألقى) وبالفعلين جاء التعبير عن خلق الجبال. والدلالة في (جعل) عامة تشمل أنواع الجبال كلها. لكن الدلالة في ألقى أخص منها في جعل وقد لاحظنا ذلك في المعاجم اللغوية فهو يقيد معنى الطرح والنبذ وكل شيء متروك ملقى. وقد لاحظ ذلك أيضًا ابن عطية فيما ذكر أبو حيان عند تفسير آية النحل إذ نقل عنه قوله: (( قال المتأولون(ألقى بمعنى خلق وجعل) ، وهي عندي أخص من خلق وجعل، وذلك أن (ألقى) تقتضي أن الله أوجد الجبال ليس من الأرض ولكن من قدرته واختراعه، ويؤيد هذا ما روي في القصص )). [3]

وقد أحسن في التنبيه إلى أن (ألقى) أخص من جعل، ولكنه لم يكن يعرف أن الجبال أنواع مختلفة النشأة وأن الفعل (ألقى) ينطبق تمامًا على نشأة الجبال الرسوبية التي تلقيها الأنهار إلقاءً في البحار على مراحل زمنية حتى إذا تراكمت رفعها الله بأمره جبالًا شاطئية إضافة إلى ذلك يشير الفعل ألقى إلى الجبال البركانية التي تتكون من مقذوفات البراكين كما ذكرنا سابقًا. [4] وبهذا نجد الفعل يشير إلى أنواع من الجبال دون غيرها وقد أختار سبحانه الفعل (ألقى) لبيان تكوين هذه الأنواع بتعبير دقيق وكما أشار إليه العلم الحديث.

وقد عبر القرآن الكريم بالفعل (ألقى) في قوله تعالى: (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) [5] ، ومن هنا يدل على أن الفعل يعبر به عما يخرج ما في داخل الأرض إلى خارجها وهو ما ينطبق على إلقاء الجبال البركانية ما في داخل الأرض من مواد ومعادن منصهرة إلى خارجها. وكذلك يدل الإلقاء على طرح ونبذ الأشياء المتروكة وهو ما عبر به عن الصخور والمواد المتفتتة من قمم الجبال والطمى المنبوذة في الشواطئ والبحار والتي منها تكونت الجبال الرسوبية. وفي كلتا الحالتين يصور لنا القرآن كيفية تكون الجبال وثباتها على الأرض وهذا التصوير بدوره يختلف عما ذكره في قوله تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) [6] فلا يشترط هنا أن يكون تحت كل جبل جذرًا يغوص في الطبقة اللينة كما قال البعض [7] فهذه (الجبال

(1) المفهوم العلمي للجبال 55.

(2) ينظر المعارف الكونية بين العلم والدين 315 - 316.

(3) ينظر المحرر الوجيز 8/ 387.

(4) ينظر الإسلام في عصر العلم 294 - 295 وينظر المعارف الكونية 315 - 316.

(5) الانشقاق / 4.

(6) نبأ / 7.

(7) ينظر كتاب الإيمان عبد المجيد الزنداني 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت