والمجيء والاضطراب. ولولا هذا التوازن الدقيق بين ثقل الجبال والبحار لاضطربت الأرض ومادت في حركتها كما أشار إلى ذلك الفعل (ميد) . ولا يجوز قصر الفعل على الجسم المتحرك. كما ذكر منصور حسب النبي فهو للمتحرك والساكن على السواء فلم يقصر أهل المعاجم هذا الفعل على الجسم المتحرك.
وقوله تعالى: (أن تميد بكم) أن في موضع نصب مفعول من أجله [1] ولما كان المقام مقام امتنان علم أن المعلل به هو انتفاء الميد لا وقوعه فالكلام جارٍ على حذف تقتضيه القرينة، ومثله كثير في القرآن وكلام العرب
قال عمرو بن كلثوم:
فجعلنا القِرى أن تشتمونا [2]
أراد أن لا تشتمونا. فالعلّة هي انتفاء الشتم لا وقوعه. ونحاة الكوفة يخرجون أمثال ذلك على حذف حرف النفي بعد (أنْ) . والتقدير: لأن لا تميد بكم ولئلا تشتمونا، وهو الظاهر عند أبن عاشور. ونحاة البصرة يخرجون مثله على حذف مضاف بين الفعل المعلل و (أن) . تقدير: كراهية أن تميد بكم. [3]
العلاقة بين مد الأرض والجبال:
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا) . [4]
وقال تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) . [5]
وقال تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) . [6]
ذكرنا سابقًا معاني المد لغة فمن معانيه الجذب والمصل وكل شيء فيه سعة وكما ذكر المفسرين أن معنى المد في هذه الآيات البسط فقوله (هو الذي مد الأرض بسطها طولًا وعرضًا ووسعها) . وقد جاء في التسهيل: (ولا ينافي لفظ البسط والمد مع التكوير، لأن كل قطعة ممدودة على حدتها، وإنما التكوير لجملة الأرض) . [7]
وقد أشار المفسرون [8] إلى فائدة الجبال في حفظ الأرض من الحركة والميدان أما باحثوا العلم الحديث فقد فصلوا هذا وأشاروا بدقة إلى العلاقة بين مد الأرض وتكوين الجبال فقد ذكر الدكتور زغلول
(1) مشكل إعراب القرآن 1/ 417.
(2) شرح المعلقات السبع للزوزني 106.
(3) ينظر التحرير والتنوير 14/ 121.
(4) الرعد / 3.
(5) ق / 7.
(6) الحجر / 19.
(7) التسهيل في علوم التنزيل 2/ 130 وينظر صفوة التفاسير 2/ 74.
(8) تفسير القرآن العظيم 2/ 566 في ظلال القرآن 4/ 2133 - 2134 محاسن التأويل 15/ 153.