الضابط اللغوي في التفسير العلمي:
هناك علاقة قوية بين قوله تعالى (وجعلنا فيها رواسي شامخات) وعطف قوله تعالى (وأسقيناكم ماء فراتا) فيرى البعض [1] أن ذكر الجبال هنا وكونها شامخات إشارة إلى أن لها دخلًا كبيرًا في تكوين المطر ونزوله ولكن تنكير قوله تعالى (ماء فراتا) يفيد العموم فهو يشمل كل ماء عذب في الأرض سواء أكان ماء نهر أو بئر أو مطر، بل أن الأمطار في النهاية مرد مياه الأنهار والعيون والعذب من الآبار [2] ووصف الماء بالفرات في هذه الآية لا يخلو من الإشارة إلى هذه الحقيقة الكبرى وهي دورة الماء العذب بين البحار المالحة والمحيطات وبين اليابسة فكل ماء عذب على الأرض أصله الماء الأجاج. [3]
وظاهرة نزول المطر وذوبان الثلوج التي ذكرناها لم تكن في كل الجبال فقد وصف القرآن الكريم هذه الجبال بالرواسي الشامخات دون غيرها من الجبال وقد عرفنا سابقًا معنى الرواسي من حيث الثبوت والرسوخ في الأرض إلا أن الجبال ليست كلها شوامخ بالغة الارتفاع، وإن كان تقدير الشموخ نسبيًا عند الناس .. فالآية تتحدث عن ارتفاع الجبال وامتيازها عن بقية الجبال في الأرض عامة لا في أرض العرب خاصة. والضمير في (وأسقيناكم) ضمير خطاب للناس في عصر نزول القرآن أولًا ثم في كل عصر يأتي بعده. [4]
ومن هنا يتبين لنا سر نزول الآية مجملة ليفهما كل عصر على حسب علومه فالتفسير القديم جاء مجملًا كما رأينا من غير تفصيل في العلاقة بين وصف الجبال بالرواسي الشامخات وقوله (وأسقيناكم ماء فراتا) . أما التفسير العلمي الحديث فقد تمكن من تفصيل هذه المعاني ومعرفة هذه الإشارات الموجزة التي لم يكن يعرفها القدماء في ذلك الزمان.
ولا يخفى في كل زمان الدلالة الصوتية في قوله (شامخات) فالمد الصاعد الذي يتمثل في الألفين الموجودة في قوله شامخات يعبر بمده إلى ارتفاع الجبال وشموخها فالتناسق قائم بين لفظه ومعناه ومعبر بشكل دقيق عن ضخامة هذه الجبال وامتيازها عن غيرها في طولها الصاعد إلى مناطق تكاثف الغيوم وتراكم الثلوج.
نصب الجبال: قال تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) . [5]
معنى النصب لغة:
(1) ينظر العلم الحديث حجة للإنسان أم عليه 49.
(2) الإسلام في عصر العلم 303 وينظر الكون والإعجاز العلمي 174.
(3) المصدر نفسه 303 - 304.
(4) ينظر الإسلام في عصر العلم 303.
(5) الغاشية / 17 - 20.