ولا تختلف هذه المعاني الإعرابية عما جاء به العلم الحديث في نشأة الجبال فهي تحتاج إلى تأمل وتدبر وعلم في النظر إلى هذه الجبال كما أشار إلى ذلك الحرف (إلى) بتعديه إلى شدة توجيه النظر.
وقد وجدنا في نصب الجبال طرائق عدة تمكن اللفظ من احتوائها فالنصب يأتي بمعنى الرفع كما هو معلوم في جميع الجبال وقد نصبت الجبال من ترسبات التي حملتها الأنهار والبحار على شكل طبقات بعضها فوق بعض كما جاء في المعاجم من تنصيب الصفائح بعضها فوق بعض مما يشير إلى دقة التعبير عن ذلك ومناسبة هذا الفعل وتمكنه في التعبير عن نشأة الجبال.
ومن فوائد الجبال أيضًا هي نُصُب أي أعلام في الأرض يستدل بها الناس في الطرقات بمنزلة الأدلة المنصوبة المرشدة إلى الطرق. [1] وقد أشار السيوطي والآلوسي إلى فوائد أخرى لهذه الجبال كما ذكرنا سابقًا. ومن ناحية سياق الآية نجد عجيبة أخرى، عجيبة ذكر الجبال مع السماء والأرض على السواء وإن جاء ذكرها بعد ذكر السماء وقبل ذكر الأرض لما بين رفعة السماء وارتفاع الجبال من تناسب، وما بين الجبال وبسط الأرض من تقابل. [2] ومن المشاهد النفسية والفنية التي توحي إلى القلب بمجرد النظر والتأمل الواعي للمشهد الكلي الذي يضم السماء المرفوعة والأرض المبسوطة. وفي هذا المدى المتطاول تبرز الجبال (منصوبة) السنان لا راسية ولا ملقاة، وتبرز الجمال منصوبة السنام .. خطان أفقيان وخطان رأسيان في المشهد الهائل في المساحة الشاسعة، ولكنها لوحة متناسقة الأبعاد والاتجاهات على طريقة القرآن في عرض المشاهد، وفي التعبير بالتصوير على وجه الإجمال. [3]
ألوان صخور الجبال:
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) . [4]
معنى جُدد في اللغة:
قال الخليل [5] : كساء مجدد: فيه خطوطٌ مختلفةٌ يقال له الجُدَّ.
وفي الصحاح: (و(الجُدَّة) الطريقة والجمع (جُدَد) . قال الله تعالى: (ومن الجِبًالِ جُدَدٌ بيض وحمرٌ) أي طرائق تخالف لون الجبل وجَدَّ الشيء يجدّ (جدّه) بالكسر الجيم فيهما جديدًا وهو نقيض الخَلقَ وجَدَّ
(1) ينظر الأرض في القرآن 102.
(2) ينظر الإسلام في عصر العلم 282.
(3) ينظر التصوير الفني في القرآن 103،في ظلال القرآن 6/ 3899.
(4) فاطر 27 - 28.
(5) العين (جد) 6/ 10.