سوى اليقين الذي لا شك فيه ولا ظنون بأي حال من الأحوال وكل شيء أمامك يقين فأنت ترى الجنة وترى النار فالحسبان في الدنيا واليقين في الآخرة. [1]
والذي يبدو أن الحسبان يكون لمن لا يعلم حال الجبال وإنما ما يرى من صورة الجبال أمام العين البشرية كما في قوله تعالى (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) [2] فالحسبان لا يكون في الحياة الدنيا فقط لذا فلا داعي لهذا التكلف في إبعاد التشبيه الذي قال به القدماء وأيدهم عليه قسم من المحدثين.
واختلفوا في قوله (ترى) هل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وفي ذلك يقول ابن عاشور في حال جعلنا الآية معطوفة على قوله (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه) ولهذا الاعتبار غيّر أسلوب الاستدلال الذي في قوله تعالى (ألم يروا أنا جعلنا) فجعل هنا بطريق الخطاب (وترى الجبال) . والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تعليما له لمعنى يدرك هو كنهه ولذلك خص الخطاب به ولم يعّمم كما عمّم قوله (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه) في هذا الخطاب، وادخارا لعلماء أمته الذين يأتون في وقت ظهور هذه الحقيقة الدقيقة. [3] ونسب كذلك الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم أيضًا الطبري [4] والقاسمي [5] .
أما جمهور المفسرين فقد ذكر ابن عاشور أنهم جعلوه لغير معين. [6] وهذا ما يبدو أيضًا من كلام أغلب أهل التفسير العلمي.
وأخيرًا يمكن القول بعد إيراد هذه الأدلة اللغوية وغيرها أن كلا التشبيهين اللذين ذكرهما القدماء وأهل التفسير العلمي له أدلة قوية ولهذا السبب لم يتمكن أحد الباحثين [7] من ترجيح أحدهما على الأخر. أما الدكتور سيد الجميلي [8] فيقول لا تعارض بين القديم والحديث وهو الذي يبدو هنا في هذا البحث وهذا من أسلوب القرآن الكريم البليغ المعجز في مخاطبته لجميع العصور دون تكذيبه من أحد فهو صالح لكل زمان ومكان ولا تنتهي عجائبه.
(1) ينظر القرآن وإعجازه العلمي 82 وينظر معجزة القرآن 92.
(2) الإنسان /19.
(3) ينظر التحرير والتنوير 20/ 49 وينظر محاسن التأويل 13/ 90.
(4) جامع البيان 20/ 21.
(5) محاسن التأويل 13/ 90.
(6) التحرير والتنوير 20/ 47.
(7) الدكتور عبد الله عبد الرحيم العبادي في كتابه العلم الحديث حجة للإنسان أم عليه 50.
(8) الإعجاز العلمي في القرآن / سيد الجميلي 73.