الصفحة 209 من 372

المعطوفة عليها من الإيماء إلى تمثيل الحياة بعد الموت، ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في هذا الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزة من جانب العلمي يدركها أهل العلم). [1] واحتج بعض علماء الفلك بأنه لا يمكن أن يكون المراد بهذه الآية ما قاله القدامى لوجوه:

الأول:- أن قوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة) لا يناسب والتخريب إذا أريد بها ما يحصل يوم القيامة وكذلك قوله:(صنع الله الذي أتقن كل شيء لا يناسب مقام الإهلاك والإبادة على أن محمل هذه الآية على المستقبل، مع أنها صريحة في إرادة الحال، شيء لا موجب له. وهو خلاف الظاهر منها. [2]

ويمكن الرد عليه كما ذكرنا سابقًا قول سيد قطب من إرادة التهديد وشمول الإتقان في الدنيا والآخرة.

أما الوجه الثاني: أن سير الجبال للفناء يوم القيامة، يحصل عند خراب العالم وإهلاك جميع الخلائق وهذا شيء لا يراه أحد من البشر أو نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله)أي الملائكة. فما معنى قوله إذن (وترى الجبال تحسبها جامدة) [3]

ويمكن أن يرد على ذلك أيضًا أنه يمكن أن يكون ذلك في بداية المشاهد الكونية يوم القيامة التي أخبرنا بها الله تعالى قبل فناء الإنسان إذا كان المقصود بالرؤيا في قوله تعالى (وترى) بصرية كما ذكر ابن عاشور فيما ذكره أو هي رؤيا علمية كما ذكر الشعراوي [4] من أن ترى وردت في الكتاب الكريم كما في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) . [5] ولم يكن الرسول في ذلك الوقت موجودًا وكذلك في قوله تعالى في سورة الكهف ولم يكن الرسول موجودًا في ذلك الحين (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) [6] وكان السياق قبل ذلك قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقّ) [7] مما يدل على إحضار السامع لتلك المشاهد وتأثيرها في النفس وكأنه يشاهد تلك المشاهد الآن.

ومما يؤكد ذلك أيضًا قوله تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ) [8] وهناك احتجاج أخر وهو في قوله تعالى (تحسبها) الواردة في الآية بمعنى ظن لا تتفق مع ثبوت كل شيء يوم القيامة الذي لا شيء فيه

(1) التحرير والتنوير 20/ 48.

(2) محاسن التأويل 13/ 89.

(3) المصدر نفسه 13/ 89.

(4) المنتخب من تفسير القرآن الكريم 76 - 77.

(5) الفيل /1.

(6) الكهف /17.

(7) الكهف /12.

(8) الكهف /18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت