أما سياق الآية المتأخر فقد جعله كلا الفريقين (جمهور المفسرين وغيرهم) وهو قوله: (صنع الله .. الخ) مرادا به تهويل قدرة الله تعالى فكأنهم تأولوا الصنع بمعنى مطبق الفعل من غير التزام ما في مادة صنع من معنى الترتيب والإيجاد فإن الإتقان إجادة، والهدم لا يحتاج إلى إتقان.
أما سيد قطب فيقول: (صنع الله الذي أتقن كل شيء) سبحانه يتجلى إتقان صنعته في كل شيء في هذا الوجود فلا فلتة ولا مصادفة، ولا ثغرة ولا نقص ولا تفاوت ولا نسيان. ويتدبر المتدبر كل آثار الصنعة المعجزة، فلا يعثر خلة واحدة متروكة بلا تدبير ولا حساب. في الصغير والكبير، والجليل والحقير. فكل شيء بتدبير وتقدير، يدير الرؤوس التي تتابعه وتتملاه (إنه خبير بما تفعلون) وهذا يوم الحساب عما تفعلون قدره الله الذي أتقن كل شيء. وجاء في موعده لا يستقدم ساعة ولا يستأخر، ليؤدي دوره في سنة الخلق عن حكمة وتدبير، وليحقق التناسق بين العمل والجزاء في الحياتين المتصلتين المتكاملتين (صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) . [1]
ومن كلام سيد قطب يتبين لنا أن المقصود بالإتقان يشمل الحياة الدنيا والآخرة.
ويرى أبن عاشور [2] في قوله (صنع الله الذي أتقن كل شيء) وضع دقيق، ومعنى بالتأمل خليق، فوضعها أنها وقعت موقع الجملة المعترضة بين المجمل وبيانه من قوله (ففزع من في السماوات ومن في الأرض) إلى قوله (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذٍ آمنون) . [3]
بأن يكون مِن تخلل دليل على دقيق صنع الله تعالى في أثناء الإنذار والوعيد إدماجًا وجمعًا بين استدعاء للنظر، وبين الزواجر والنذر، كما صنع في جملة (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه) . [4]
أما من احتج للتفسير العلمي فقد ذكر ورود هذه الآية في سياق الكلام على يوم القيامة لورود آية (أولم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا) المذكورة قبلها في نفس هذا السياق، والمراد بها ذكر شيء من دلائل قدرة الله تعالى، المشاهدة آثارها في هذا العالم الآن من حركة الأرض وحدوث الليل والنهار، ليكون ذلك دليلًا على قدرته على البعث والنشور يوم القيامة ... ولذلك ختم هذه الآية بقوله (إنه خبير بما تفعلون) فذكر هذه الأشياء في هذا السياق، هو كذكر الدليل على المدلول، أو الحجة مع الدعوى. وهي سنة القرآن الكريم فإنك تجد الدلائل منبثة بين دعاويه دائمًا، ولا يحتاج الإنسان لدليل آخر خارج عنها. وذلك شيء مشاهد في القرآن من أوله إلى آخره. [5]
ومن هذا الوجه يذكر ابن عاشور توجيها آخر في الواو فيقول: (أو هي معطوفة على جملة(ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه) وجملة (ويوم ينفخ في الصور) معترضة بينهما لمناسبة ما في الجملة
(1) في ظلال القرآن 5/ 2669.
(2) التحرير والتنوير 20/ 48.
(3) النمل /89.
(4) النمل /86.
(5) محاسن التأويل 13/ 90.