الصفحة 332 من 372

فإن نقطة التركيز في السياق هي سر تكوين آدم، وسر الهدى والضلال ... ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمأ مسنون .. وهكذا في الآيات الأخرى.

ولمعرفة الحقيقة العلمية بأكملها يتطلب جمع تلك الآيات فالقرآن يفسر بعضه بعضا لأن القرآن وحدة متكاملة لذا فالنص القرآني واحد من أول سوره إلى آخره ومن الدلالات السياقية للآيات وغير السياقية أي وجود دلالات أخرى في آيات أخرى خارج السياق يمكن أن نصل إلى حقيقة قصة خلق الإنسان وتفاصيلها بشكل دقيق، كما وجدنا في حقيقة مادة خلق الإنسان الأولى وكما وصل إليه العلم الحديث، ونجد في بعض الآيات نفسها تتحمل أوجه مختلفة في التأويل من ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) . [1]

ويرى السيوطي أن المراد بالإنسان آدم - عليه السلام - ثم عاد عليه الضمير مرادا به ولده وهذا ما يسمى في علم البلاغة الاستخدام وهو التورية أشرف أنواع البديع ولها طريقتان منها طريقة السكاكي وأتباعه وهي أن يؤتى باللفظ له معنيان فأكثر مرادا به أحد معانيه ثم يؤتى بضميره مرادا به المعنى الأخر واستشهد السيوطي بهذه الآية. [2] وقال لأن آدم لم يخلق من نطفة. [3]

وقد عد محمد بن أبي بكر الزرعي ذلك استطرادا، والاستطراد أسلوب لطيف جدًا في القرآن الكريم من ذلك أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ .. ) إلى أخره فالأول آدم والثاني بنوه. [4]

ومن الدلالات القرآنية غير السياقية التي تؤكد هذا التفسير قوله تعالى: ... (وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) . [5]

أما الوجه الثاني لقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) .

الإنسان هنا يمكن أن يراد به النوع كما أشار الرازي أن الإنسان شامل وولده كما ذكرنا سابقًا وهو موافق أيضًا للتفسير العلمي الحديث الذي يشير إلى أن أصل الإنسان تراب وهي المادة المكونة لجسم الإنسان مع الماء.

(1) المؤمنون 12 - 13.

(2) الإتقان 2/ 127 - 128.

(3) المصدر نفسه 1/ 549.

(4) ينظر التبيان في أقسام القرآن 165.

(5) المؤمنون 12 - 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت