الصفحة 20 من 26

فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ [1] للدلالة على معنى يشبه المعنى السابق، فالإنغاض حركةٌ إلى الأعلى مرة، وإلى الأسفل مرةً أخرى، في إشارةٍ إلى الاستخفاف والاستهزاء بما يقوله النبي (من أمر البعث بعد الموت، ومن المعلوم في علم الفراسة أن"الرأس صومعةُ البدن، وجامع الحواسِّ الخمسة الظاهرة، ومنه تنجلي الآياتُ، وتتراءى العلاماتُ، وتصدُق الأمارات" [2] .

ومن الحركات المادية ما جاء عن حال الكفار في النار يوم القيامة في قوله تعالى: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَر} [3] .

والسحب حركة سريعةٌ على وجه الأرض، وهي في حدّ ذاتها توحي بإهانة المسحوب، تمامًا مثلما تُجَرّ الدوّاب والمواشي إلى مرابضها رغمًا عنها، وتزدادُ الحركة تخويفًا وإهانةً لكونها تتمّ في عمق النار، ثمّ إنهم لا يُسحَبون قائمين رافعي الرؤوس، بل يُلقَون على وجوههم ويُجَرّون، وفي ذلك تحقيرٌ للأعضاء والوجوه زيادةً على التحقير الآتي من طبيعة الحركة ومن المكان الذي تتمّ فيه، يُضاف إلى ذلك كلّه أنّ الحركة المهينة أُتبِعت بالترذيل الساخر في القول (ذوقوا مسَّ سقر) ، وليس أمرّ على النفس من التأنيب والتقريع في حال الضيق والكرب.

ويعبّر القرآن الكريم عن نشاط الكفار للتجارة بين البلدان بحركة مادية في قوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنكَ تَقَلُّبُ الّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ} [4] .

تشير حركة التقلب إلى سرعة النشاط التجاري وإلى عدم استقرارهم على حال، إذ ينتقلون من بلدٍ إلى بلد، ومن وفرة في الحظّ إلى ما هو أوفر، و"كأنّ البلاد الواسعة أطراف فراشٍ يتقلب بينها التاجر، وهذا يعني عمق تأثير الموقف لدى الرسول (، ولا يكون هذا بكلمة(تجارة) أو (ذهاب) ، إنهّ تقلب" [5] وحركة دائبة نشطة ألقت بظلالها السلبية أثرها في نفس الرسول (وأصحابه، لذا فهي تحتاج إلى توجيه إيماني من السماء يدعو المؤمنين إلى عدم الاغترار بمظاهر التبسط والترف.

وإذا ما اكتفينا بهذا القدر من الحركة المادية [6] وانتقلنا إلى الحركة النفسية نجد أنّ ظلالها تتراءى في القرآن الكريم في مواضع عديدة، من ذلك قوله تعالى: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِيبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا} [7] .

والانقلاب على الأعقاب حركة حسية لكنّها في هذا السياق نازعة إلى أغوار النفس لتلتقط الإنفعالات السلبية التي صاحبت حركة الفرار والتولّي في أرض المعركة، وإلى هذه الحركة النفسية إلتفت سيد قطب عندما

(1) سورة الإسراء، الآية: 51.

(2) السياسة في علم الفراسة: 45.

(3) سورة القمر، الآية: 48.

(4) سورة آل عمران، الآية: 196.

(5) جماليات المفردة القرآنية: 152.

(6) تنظر شواهد أخرى في: سورة البقرة، الآية: 275، وسورة هود، الآية: 78، وسورة التوبة، الآية: 109، وسورة إبراهيم، الآية: 9، وسورة القلم، الآية: 51.

(7) سورة آل عمران، الآية: 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت