قال:"وفي التعبير تصوير حيٌ للارتداد، فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسّم معنى الارتداد عن هذه العقيدة، وكأنه منظر مشهود، والمقصود أصلًا ليس حركة الارتداد بالهزيمة في المعركة، ولكن حركة الارتداد النفسية" [1] ، ويُطلق أحد الدارسين على حركة الانقلاب هذه تسمية الكناية، فيقول:"إن الكناية تدعنا نتخيل حركة عنيفة تتمثل في الانقلاب على الأعقاب في حركة نصف دائرية يمينًا وشمالًا، فتشير الى المعنى المكنّى عنه بحيوية وتأثير، وهو الحركة النفسية العنيفة في أرض المعركة التي انتابت نفوس المؤمنين وقلوبهم، فزلزلتها خوفًا وهلعًا، فانقلبوا منهزمين" [2] ، وأيًا كان الأمر فإنّ الانقلاب يرسم الحركة النفسية رسمًا جليًا واضحًا بعد نزع القشور الحسية عنها، فالدلالة الجمالية تظهر في التقريب والتناسب البديع بين من يترك نظره إلى الأمام ويرتدّ بحركته إلى الخلف، وبين من يترك الحق الجلي ويتبع الباطل المضّل، فضلًا عن إخراج الصورة بهذا المشهد الحافل بالحركة الداخلية.
ونلمسُ الحركة النفسية الشديدة في قوله تعالى: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ} . [3]
إذ استعار التعبير القرآني للاضطراب النفسي الشديد الذي أصاب الرسول والمؤمنين الأوائل لفظ (زلزلوا) الدالّ على الهزّات الأرضية المتتابعة في أصلها الحسي، لكنها تنمُّ هنا على هزّاتٍ نفسية عنيفة كادت تزعزع المؤمنين وتعصف بهم، ولعلَّ في تكرار الصوتين (الزاي واللام) إيحاءً بتكرار هذا الزلزال النفسي اعتمادًا على ما ذهب إليه علماء الصرف من أن تكرار الأصوات يدلّ على تكرار الحدث، فالملمح الجمالي للحركة يبرز ما يحققه التعبير الاستعاري من صورة الزلزال الحقيقي وما يرافقه من اضطراب وشدة، وانعكس هنا على حركة نفوس المؤمنين فيما اعتراهم من الذعر والخوف.
ولا شكَّ في أنّ حركة الزلزال الحقيقي تساعد المتلقي في الانتقال من تخييل رقعة مكانية واسعة تشمل الكون كلَّه إلى تخييل رقعة مكانية ضيقة تنحصر داخل النفس الانسانية، وهذا بدوره يعمل على تخيل تضاد بين السعة والضيق من جهة، وبين المظهر المادي والانفعال النفسي من جهة أخرى.
ومن الحركات النفسية قوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [4] .
فالحصر يخيّل إلى القارئ أنّ نفوس بعض المؤمنين محبوسةٌ داخل أسوارها، وتضيق تلك الأسوار عليها في حركة دائرية آخذة في الانقباض، وهذا التعبير الحركي المصوّر أدلَّ على الضيق النفسي فيما لو جاء التعير بالتجريد الساكن.
وقد تكون الحركة النفسية متلوّة بالحركة المادّية التي تستكمل أبعاد المعنى المراد تثبيته في الذهن، من ذلك قوله تعالى في إثر المواجهة التي دارت بين إبراهيم - عليه السلام - وبين قومه حول عبادة الأصنام: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ - ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رَءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاَءِِِِِ ٍيَنْطِقُونَ} [5] .
(1) في ظلال القرآن: 4/ 486.
(2) الكناية في القرآن الكريم: 145.
(3) سورة البقرة، الآية: 214.
(4) سورة النساء، الآية:90.
(5) سورة الأنبياء، الآيتان: 64ـ 65.