الصفحة 135 من 406

لقد أجاز الفرّاء تعدية الأفعال مباشرة الى المفعول به، وإن كان حقها أن تتعدى بحرف الجر؛ لإنه كان قد سمع ذلك عن العرب ولكن بقلة قياسًا الى تعديته بذكر حرف الجر [1] . وقد عدَّ ذلك بعض النحاة المحدثين قياسيًا [2] ، وعدَّه أخرون غير قياسي ومنعوا محاكاته منعًا للخلط بين الفعل اللازم والمتعدي؛ ودفعًا لفساد المعنى [3] ، والحقيقة أن حذف حرف الجر الذي يتعدى الفعل بواسطته قد وردت عليه شواهد كثيرة عن العرب ولا يستتبع مثل تلك الشبهات التي قال بها النحاة إذ المعنى في تمام الوضوح مع حذفها، ومن تلك الشواهد ما أورده الفرّاء، ومنها قول الشاعر [4] :

هُمُ جمعوا بُؤْسَى ونعْمى عَليكُمُ فهلاّ شكرتَ القومَ إذ لم نقاتِل

والمعنى: شكرتَ للقوم، وقال النابغة الذبياني [5] :

نَصحتُ بني عَوفٍ فلم يتقَبّلوا ... رسولي ولم تنجَحْ لديهمْ رسائلي

والمعْنى (نصحتُ لبني عوف) ، إذ قال الفرّاء في هذين الفعلين: (العرب لاتكاد تقول: شكرتك، إنما تقول شكرتُ لك، ونصحت لك ولايقولون: نصحتك، وربما قيلتا) [6] ، واستشهد على ذلك بهذين الشاهدين الذين تفرد بهما، وقد أورد الفرّاء شواهد

كثيرة أخرى على ذلك، سأذكرها لتمام الفائدة، فمنها قول الشاعر [7] :

أتيت بعبد الله في القِدّ مُوثقا فهلا سعِيدا ذا الخيانةِ والغدر

(1) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 92.

(2) ظ: شذا العرف في فن الصرف للشيخ أحمد الحملاوي: 48، 49.

(3) ظ: النحو الوافي: 2/ 160 - 161.

(4) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 2/ 92، ولم يُنسب الى قائله.

(5) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 92، ديوانه: 93، وروايته فيه:

نَصحتُ بني عَوفٍ فلم يتقَبّلوا ... وَصاتي؛ ولم تنجَحْ لديهمْ وسائلي

(6) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 2/ 92.

(7) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 196، ولم يُنسب الى قائله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت