فهرس الكتاب
ومثل ذلك ايضًا قول الشاعر [1] :
إذا أنت جازيت الإخاءَ بمثله واسيتني ثم اعتصمتَ حباليا
فالقى الشاعر الباء التي يتعدى بواسطتها الفعل (اعتصمت) الى مفعوله، وأوصل الفعل مباشرة الى المفعول به، وهذا كله جائز قد قالته العرب، لكن الكلام العربي الأفشى يكون مع الباء كقوله تعالى:"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا" (آل عمران/103) .
ومن ذلك أيضًا قول الشاعر [2] :
أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصيه ... ربَّ العباد إليه الوجهُ والعملُ
فالأصل فيه: (استغفر الله لذنب) ؛ إذ قال سبحانه تعالى:"وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ" (يوسف/29) و"فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ" (آل عمران/ 135) ، وكذلك قول الشاعر الآخر [3] :
استغفر الله من جدّي ومن لعبي وزرى وكلُّ امرِيء لابَّد مُستَّزِرُ
والاصل فيه: (استغفر الله لوزري) . إلا أَن حرف الجر الذي يتعدى بواسطته الفعل (استغفر) الى المفعول الثاني عند الخليل بن أحمد وسيبويه هو حرف الجر (من) إذ قدّر في الشاهد الاول: (استغفر الله من ذنبٍ) [4] . أما الفرّاء فقد قدر الحرف على وفق ماجاء في القرآن الكريم مصرحًا به وهو حرف اللام، وهذا دأبُ الفرّاء فتارة يستعين بكلام العرب ولاسيما الشعر لتفسير ظاهرة نحوية في القرآن الكريم، وتارة أخرى يستعين بالقرآن الكريم ليوضح ماجاء في كلام العرب، ففي هذا الموضع يقدر حرف الجر المحذوف في البيت الشعري، بالحرف نفسه الذي ورد في القرآن الكريم.
(1) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 228، ولم ينسب الى قائله، ولم أجده عند غير الفرّاء من النحاة.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 223، وكتاب سيبويه: 1/ 37، والمقتضب: 2/ 321، والاصول لابن السراج: 1/ 212، وإعراب القرآن للنحاس: 5/ 175، ولم يُنسب لقائله.
(3) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 223، ولم يُنسب الى قائله.
(4) ظ: الجمل للخليل: 122، كتاب سيبويه: 1/ 37.