فهرس الكتاب
من صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم ... فكأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدحٍ مجدد غير مُتْبع لأول الكلام) [1] ؛ ومن ذلك عنده قول الخرنق بنت هفّان [2] :
لا يَبْعَدَن قومي الذين هُمُ سُمُّ العُدَاة وآفة الجُزْرِ [3]
النازلين بكلّ معتركٍ والطيَّبين معاقد الأزْرِ
فقال الفرّاء:"وربما رفعوا (النازلون) و (الطيبون) ، وربما نصبوهما على المدح، والرفع على أن يُتْبَع آخر الكلام أوّله" [4]
والنصبُ يكون على تقدير فعل أي: أمدحُ النازلين او أعني النزلين، وهذا ماعناه الفرّاء بقوله السابق:"... فأنهم ينوون اِخراج المنصوب بمدحٍ مجدد غير مُتْبَع لأول الكلام". والرفع فيهما يكون على الإتباع أي نعتًا لـ (قومي) .
وهذا ما قاله الخليل أيضًا للعلة التي ذكرها الفرّاء نفسها، إذ قال الخليل:"نصب النازلين والطيبين على المدح، ويروى بعضهم والطيبون ... إذا طال كلام العرب بالرفع نصبوا ثم رجعوا الى الرفع" [5] وقد وافقت رواية الفرّاء لهذا الشاهد رواية الخليل له ايضًا.
أما سيبويه فقد روى الشاهد بالرفع في قوله (النازلين والطيّبين) إلا أنه أشار الى رواية النصب فيهما معللًا ذلك على المدح والتعظيم [6] .
وقد روى ابنُ قتيبة الدينوري هذا الشاهد بالنصب في قوله (النازلين) والرفع في قوله (الطيبين) ، أي على القطع في النازلين وعلى الاتباع في (الطيبين) او على الإبتداء أي على اضمار مبتدأ قبلها والتقدير: (وهم الطيّبون) ، واسْند روايته الى ابي عبيدة معمر
(1) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 105.
(2) نسبهما الأعلم الى الخرنت بنت هفان، وخرجهما محقق كتابه من ديوانها: 29، واضاف المحقق أنها أخت طرفة بن العبدلامة، ظ: تحصيل عين الذهب:162.
(3) لايبعدن: لايهلكن، وهو دعاء بالسلامة سم العداة: جعلت قومها كالسم يأتي على الاعداء فيفتك بهم الجزر: الجزرْ هي الابل، وهذه كناية عن كثرة نحر قومها للابل، المعترك: اسم مكان الازدحام في الحرب، معاقد الأزر: كناية عن عفة قومها عن الفواحش، ظ: خزانة الأدب: 2/ 301، امالي ابن الشجري: 1/ 344، العيني: 3/ 602.
(4) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 105.
(5) الجمل للخليل: 88.
(6) ظ: كتاب سيبويه: 2/ 57.