فهرس الكتاب
ولم يفسّر النحاة لنا فلسفة العرب في ذلك. وكيف يجمعون بين أكثر من اسلوب في سياق كلامي واحد قصدًا منهم البلاغة والبيان؟!
غير أن الفخر الرازي نقل لنا تفسيرين لذلك نسب الأول منها الى أبي علي الفارسي ونسب الثاني الى الفرّاء غير الذي ذكره الفرّاء في كتابه معاني القرآن، فقد ذكر الرازي وهو يتحدث عن قوله تعالى:"حَمَّالَةَ الْحَطَبِ" (المسد/3) . أنَّ من قرأ بنصب حمالة إنه نصب على الذم، فقال الرازي:"قال أبو علي الفارسي وإذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن تخالف باعرابها ولا تُجْعَل كلَّها جارية على موصوفها؛ لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القول، فإذا خولف باعراب الأوصاف كان المقصود أكمل، لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان، وعند الإتحاد في الإعراب يكون وجهًا واحدًا وجملة واحدة" [1] .
وقد تساءَل الكوفيون والبصريون: لِمَ صار المدح والذم علتين لإختلاف الحركة؟ فاجاب الرازي ناقلًا كلام الفرّاء:"... فقال الفرّاء: أصل المدح والذم من كلام السامع وذلك أن الرجل إذا أخبر عن غيره فقال له [2] : قام زيد فربما أثنى السامع على زيد، وقال ذكرت والله الظريف، ذكرت العاقل أي هو والله الظريف هو العاقل، فأراد المتكلم أن يمدح بمثل مامدحه به السامع، فجرى الإعراب على ذلك، وقال الخليل: المدح والذم ينصبان على معنى أعني، وأنكر الفرّاء ذلك لوجهين: الأول أن اعني إنما يقع تفسيرًا للاسم المجهول، والمدح يأتي بعد المعروف. الثاني أنه لو صح ماقاله الخليل لصح أن يقول: قام زيد أخاك على معنى أعني أخاك، وهذا مما لم تقله العرب أصلًا" [3] .
ولكن هل كان ذلك حاضرًا في ذهن المتكلم أو الشاعر عندما قال ذلك؟! وهل هذا إلا توجيه نحوي أو بلاغي لظاهرة لاحظوها في كلام العرب؟ نعم. ان العرب اصحاب
(1) التفسير الكبير للرازي: 5/ 39.
(2) الصواب ان يكون التعبير: (إذا أُخبر عن غيره فقيل له ...."أي قيل لذلك الرجل السامع: قام زيدُ ..."
(3) التفسير الكبير: 5/ 39.