الصفحة 144 من 406

بلاغة وفن في كلامهم، وإذا أخذنا هذا بنظر الاعتبار -ولاسيما أنه صادر من عالمين كبيرين كان لهما باعُ طويل في وضع القواعد وتقعيدها- فإنّا نزيد اليه عاملًا آخر هو رغبة العرب في الجنوح نحو طلب الخفة في الكلام في أغلب الأحيان، إذ أن المنصوب سواءُ أكان بحركة أم بحرف أخف عندهم في النطق من المرفوع، فالضمة والواو أثقل من الضمة والياء، فهم بسبب ذلك الى النصب أميل منه الى الرفع، ولاسيما إذا تكرر ذلك المرفوع على السنتهم في وقت واحد كالنعت والتوكيد والعطف.

وكذلك يفعلون مع المجرور إذا تكرر فيقطعونه الى النصب أيضًا، لأن النصب أخفُ من الجر عندهم، واستشهد على ذلك الفرّاء بقول الشاعر [1] :

إلى الملكِ القَرْمِ وابنِ الهُمَام وليثَ الكتيبة في المُزْدحَمْ

وذا الرأي حين تُعَم الأمُور بذاتِ الصليلِ وذاتِ اللّجُمْ [2]

فنصب الشاعر (ليث الكتيبة) و (ذا الرأي) على المدح والاسم قبلهما ... .

والأصل في ذلك هو مجيء النعوت المتعددة لمنعوت واحد، فأجاز النحاة في تلك النعوت أن تقطع وإن كانت معطوفة عطف نسق، وكذلك أجازوا عطف بعضها على بعض سواءُ أكانت متبعة ام كانت مقطوعة [3] ؛ توجيها لاختلاف الإعراب بين النعوت المتعددة فلم يجدوا لها مُخرجًا سوى القطع على الابتداء إذا كان بعضها مخالفًا بالرفع، أو النصب على المدح او الذم إذا كان بعضها الأخر مخالفًا بالنصب.

وقد يَمُتُ ذلك الأسلوب بصلة ما إلى مرحلة موغلة في القدم من مراحل نشوء اللغة وهي مرحلة اللهجات القبلية، ثمَّ تطورت فيها العربيّة مع الزمن والحضارة؛ فاصبح هذا الاسلوب وتلك اللهجة تمثلان -عند النحاة- تفسيرًا او توجيهًا اعرابيًا آخر فشاع وأخذت

(1) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 105، و ظ: الكشاف للزمخشري: 1/ 15، الانصاف: 2/ 469، قطر الندى: 321، والخزانة، ولم ينسب الى قائله.

(2) القَرْم: في الأصل الجمل المكرم الذي أُعد للضرب ثم أَطلقوه على الرجل العظيموالليث: السبع وأراد بليث الكتيبة الشجاع الفاتك، تُغم الأُمور: تلتبس وتبهم ولايهتدي فيها لوجه الصواب: ذات الصليل وذات اللجم: كتابه عن معارك الحرب فذات الصليل والسيوف: وذات اللجم: الخيول.

(3) ظ: معاني النحو للدكتور فاضل السامرائي: 3/ 194، والنحو الوافي: 3/ 661.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت