الصفحة 151 من 406

له من يعينه ويساعده سوى بنية وعرسه، وهذا التأكيد يتأتى من خلال اسلوب التأكيد بالقصر بالاداتين (ما) و (إلا) ، الذي تولّد من الاستثناء المفرغ في حالة الرفع.

وقد غَفِل بعض النحاة هذا الفرق في المعنى بين حالتي النصب والإتباع، بل إن بعضهم قد اسقط المعنى تمامًا ولم يُشرْ اليه أو لم يحتكم اليه في بيان ترجيح أحدهما على الأخر، فمضى ابنُ مالك الى ترجيح النصب مطلقًا وكأنه لم يعبأ بالمعنى إذ يقول في ألفيته [1] :

ما أسْتَثْنَتِ (إلاَّ) مَعْ تمام يَنْتصبْ ... وبَعْدَ نَفْي أوكَنَفْي انتُخِبْ

لإتْبَاعُ ما اتَّصل، وانْصبْ مَا انقطعْ ... وعن تميم فيه إِبْدالُ وَقعْ

وغيْر نَصْبٍ سَابقٍ في النفي قَدْ ... يأْتي ولكِنْ نَصْبهُ اخْتَرْ أن وَرَدْ

فبين أن غير النصب وهو (الاتباع) ، قد يرد، وهو جائز، ولكن النصب هو المختار؛ لكثرة وروده، بخلاف الاتباع ولم يقل أن الذي يحدد ذلك هو المعنى فقط.

ومثل هذا الشاهد أيضًا، ما أنشده أبو ثروان للفرّاء [2] :

ماكان منذ تركنا أهل أَسْنُمةٍ ... إلا الوجيفَ لها رِعْىُ ولا عَلَفُ [3]

فنصب الشاعر (الوجيف) على الاستثناء، فيكون تقدير المعنى (ماكان رعيُها إلا الوجيفَ منذ تركنا أهل أسْمةٍ) ، ثم بعد ذلك عطف (عَلَفُ) بالرفع على المستثنى على الرغم من أنه منصوب؛ وذلك حملًا على جواز الرفع في المستثنى، فعطف عليه بالرفع، وما كادَ أن يجمع بين هذين المعنيين في النصب والرفع، لولا أن القافية دعته الى ذلك ولم يكن بإرادته، ولاسيما إذا عرفنا أن هذا الشاهد من قصيدة رويها مرفوع، فاضطر الى العطف بالرفع على المستثنى المنصوب لما علم جواز النصب والرفع في المستثنى وإن كان للتعبير عن معنيين مختلفين إرضاءً منه لسلطان القافية عليه فلم يجرؤ على مخالفتها

(1) شرح ابن عقيل: 1/ 597، 600، وظ: النحو الوافي: 3/ 321 - 325.

(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 168. وهو لجرير يمدح يزيد بن عبد الملك ويهجو آل المهلب، ديوانه: 388 والرواية فيه:

ماكانَ مُذْ رَحَلُوا من أَهْلِ أَسْنُمَةٍ ... إلاّ الذَّميلَ لها ورْدُ ولا عَلَفُ

(3) أَسنُمةٍ: موضع في بلاد تميم، والرعي: الكلاء والزرع، الذميل: ضرب من السير فوق العنق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت