فهرس الكتاب
إذ أن مخالفتها يعدُ عيبًا يؤاخذ به، فينتقص من شاعريته الفذة. أما جانب النحو فيمكن التخلص منه بالتأويل والتقدير دون أن ينظر اليه أحد.
وكذلك الحال نفسه في قول ذي الرَّمة [1] :
مُقَزَّعُ أطلسُ الأطمار ليس له ... إلا الضِرَاءَ وإلا صيدَها نَشَبُ [2]
فقال الفرّاء فيه:"ورَفْعُه على أنه بنى كلامه على ليس له إلا الضراءُ وإلا صيدُها، ثم ذكر في آخر الكلام (نشب) ويبيّنه أن تجعل موضعه في أوّل الكلام" [3] .
فقد عنى الفرّاء بقوله هذا، أن النصب في قول الشاعر"إلا الضِراءَ والا صيداها"كان على معنى الاستثناء بتقدير: (ليس له نشبُ إلا الضِرَاءَ واِلا صيَدها) والمعنى أنه لايملك من المال إلا كلاب الصيد وما تصيده اليه) فقى نفى الشاعر عن هذا الصائد أن يكون له مال ثم استثنى من ذلك أن له كلاب صيد وما تأتي به من صيد اليه وعدَّها الشاعر من المال أيضًا.
أما الرفع في (إلا الضِرَاءُ وإلا صيدُها) فعلى معنى البدلية من النشب، فيكون التقدير فيه (ليس له نشبُ إلا الضراءُ وإلا صيدُها) كما قدره الفرّاء؛ وذلك لتأكيد أن هذا الشخص لايملك شيئًا أبدًا غير الضراء والصيد، وذلك بدليل أنّ الشاعر قدّم ذكرها على النشب ليدلَّ على هذا المعنى. وكلام الفرّاء (وَرفعْه ... ) يُشير الى أنه يروى بالرفع أيضًا، فبين اختلاف المعنى في الروايتين كلتيهما.
وأما إذ كان الاستثناء مسبوقًا بنفي، وكان تامًا، فيجوز في المستثنى النصب على الإستثناء، أو الإتباع على البدلية سواءُ أكان ذلك الاستثناء متصلًا أم منقطعًا، إذ قال الفرّاء:"فإذا استثنيت الشيء من خلافه كان الوجه النصب" [4] ، واستشهد بقول النابغة الذبياني [5] :
(1) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 168، ظ: غريب الحديث لابن قتيبة: 1/ 316، لسان العرب (ضرا) .
(2) المقزع: الخفيف الشعر، وأطلس: أغبر، والأطمار واحدها طمر، وهو الثوب الخلق والضراء: واحدهما ضرو، وهو الكلب الضاري، المستخدم للصيد، والنشب: المال.
(3) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 168.
(4) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 288.
(5) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 288، ديوانه: 30، الكتاب: 2/ 321، المقتضب: 4/ 114، معاني القرآن واعرابه: 2/ 72.