الصفحة 154 من 406

أما لماذا حُكم على المستثنى فيه بالنصب مرة وبالإتباع أخرى؟ فإن ذلك يرجع الى إختلاف لغات العرب في ذلك، فالنصب هو لغة الحجازيين وهو الأرجح عند النحاة؛ لانه أقرب الى معنى الاستثناء، واليه مالَ الفرّاء كما مرَّ في قوله الذي تقدم في الصفحة السابقة.

اما الإتباع فهو لغة بني تميم [1] ، وفي ذلك قال سيبويه:"هذا بابُ يُختار فيه النصب لأنَّ الآخر ليس من نوع الاول وهو لغة أهل الحجاز، وذلك قولك: مافيها أحدُ إلا حمارًا، جاؤوا به على معنى ولكنَّ حمارًا، وكرهوا أنْ يُبدِلوا الآخِر من الأوّل، فيصيرَ كأنه من نوعه، فحُمل على معنى (ولكنَّ) ، ... وأما بنو تميم فيقولون: (لا أحدَ فيها إلاَّ حمارُ) ، أرادوا ليس فيها إلاَّ حمارُ، ولكنَّه ذَكر (أحدًا) توكيدًا لأنْ يُعْلم أن ليس فيها آدِميُّ، ثم ابدلَ فكأنه قال: ليس فيها الاَّ حمارُ. وإنْ شئت جعلته إنسانها" [2] .

أما سيبويه فقد مالَ نَحو لغة بني تميم؛ وهذا مايفسر لنا روايته لبيت النابغة بالرفع إذ تفرّد هو برواية الرفع [3] دون سائر النحاة الذين تابعوا الفرّاء في روايته بالنصب.

إلاّ أن الفرّاء قد أَجاز الإتباع أيضًا، واستشهد له بقول جرّان العود النميريّ [4] :

وبلدٍ ليس به أنيسُ إلا اليعافيرُ وإلاَّ العِيسُ [5]

فقال الفرّاء في قوله تعالى:"لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ" (النساء/114) : (من في موضع خفض ونصب؛ الخفض: إلا فيمن أمر بصدقه ... ومن جعل النجوى فعلًا كما قال:"مايكون من نجوى ثلاثةٍ"(المجادلة/ 7) فـ (من) حينئذ في

(1) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 480.

(2) كتاب سيبويه: 2/ 319 - 320، وظ: شرح ابن عقيل: 2/ 215.

(3) وكذلك رواية ديوان النابغة: 30.

(4) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 288، ديوانه: 97، ورواية البيت فيه:

بسابسسا ليس بها أنيسُ.

(5) اليعافير: جمع اليعفور، وهو ولد الظبية، والعيس: جمع أعيس وعيساء وهما وصفان من العيسة، بكسر العين وهو بياض يخالطه شقرة، وأراد بها بقر الوحش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت