الصفحة 156 من 406

وقد وجه ابن عصفور ذلك توجيهًا آخر يكاد يكون ظريفًا ومقبولًا انتزعه من قوله سيبويه السابق، فقال:"إذا قلتَ: مافي الدار أحد إلا حمارُ يجعل الحمار كأنه أحد لقيامه مقام الأحد له، وذلك أنَّ الدّار يتخذها من يَعقل فعوملَ معاملته لقيامه مقامه" [1] وعدَّ قول جران هذا منه، إلا أنه نسب ذلك الى المازني، فأضاف:"وزعَم المازني أن وجه البدل أنْ يكون أطلق الأحد على الأحد وغيره، لأنه اسم لمن يَعْقِل فلمَّا اجتمع مع ما لايعقِل ساغ وقوعه عليه ... لأنَّ الأنيس يقع على من يعقل فأراد به من يعقل وما لايعقل وغلَّب" [2] . أي أنه جعل اليعافير والعيس داخله في من يعقل أي ضمن الأنيس؛ لأنها مما يأنس به كالإنسان وذلك عند سيبويه، وعلى التغليب عند المازني وابن عصفور وهذا وجه حسن أيضًا.

وعدَّ بعض النحاة المحدثين ذلك كله مجارًا، فالربع قد تجسَّدَ بكل ما يحتويه من آثار ومظاهر، واضحى شخصًا امام النابغة بعد أن وقف يسائلها وقد (أعيا عن الجواب) ؛ لأنه لم يبق فيها من مظاهر الحياة إلاّ تلك الأوراي و النؤي.

وكذلك الحال في بيت جران العود، فلم يبق من مظاهر الحياة ومقومات نفي الوحشة عن البلد سوى تلك اليعافير والعيس، فكيف لاتكون ضمن جنس الأنيس، وعلى الرغم من أن لفظة الأنيس من (الأنس) التي تختص بالناس لكنها في الحقيقة أيَّ مظهر من مظاهر الحياة يُبعد الوحشة جدير بأن يكون أنيسًا [3] .

وفرَّق الدكتور فاضل السامرائي بين معنى النصب والرفع فقال:"فهم إذا تجوّزوا فجعلوا السيف عتّابًا والأواريَّ أحدًا ... أتبعوا، وإن أرادوا التبعيد من ذلك قطعوا. وهذا ملاك الأمر وهو أنَّ العرب إذا أرادوا إلصاق المستثنى بالمستثنى منه أتبعوا وإن أن ارادوا التبعيد نصبوا فإن امتنع جعله بعضًا منه قطعوا ... وعلى هذا نقول (ما جاءني الطلاب إلاّ خالدُ) إذ جعلت خالدًا بعض الطلاب فإن قلت (خالدًا) أبعدته منهم وإن كان طالبًا حقًا وذلك لانَّ تقصيره وعدم انتظامه. وقلة معرفته جعلك تسلكه في عداد غير الطلبة وهذا المعنى تجوّزي"

(1) شرح الجمل: 2/ 367.

(2) شرح الجمل: 2/ 367.

(3) ظ: المنطلقات التأسيسية والفنية في النحو العربي: 42 - 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت