فهرس الكتاب
ووافق الكسائي والفرّاء في هذا ابن هشام، إذ قال:"ويجوز في الزمان المحمول على إذا أو إذ الإعراب على الأصل والبناء حملًا عليهما فإذا كان ماوليه فعلًا مبنيًا، فالبناء أرجح للتناسب" [1] ، وعدَّ قول النابغة هذا منه.
والظاهر من خلال هذا أن اكتساب الاسم البناء من خلال إضافته الى المبني واجبُ كما يراه الكوفيون وجائزُ عند البصريين، وهذه مسألة تكاد تقتصر على اسماء الزمان فقط دون سواها من سائر الاسماء، والتي حدّها بـ: يوم، وليلة، وحينَ، وغَدَاة، وعشيَّة، وزمن، وأزمان وأيام، وليال [2] . وهذا ما يفرضه الواقع اللغوي حقيقةً، إذ إن جميع الشواهد التي استشهد بها النحاة من القرآن الكريم وكلام العرب شعره ونثره، لايتعدى هذه الألفاظ التي ذكرها الفرّاء، ولم ترد في غيرها من الألفاظ الأخرى لـ (غير) مثلًا سوى ذلك الشاهد الوحيد الذي ذكره الفرّاء وأغلب النحاة وهو قول الشاعر:"لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ...".
ومن خلال هذا كله أرى أن ماذهب اليه الفرّاء من أن (غيرَ) بُنيت لأنها وقعت موضع (إلا) في الاستثناء هو الصواب؛ وذلك لأن جميع النحاة الذين عارضوا الفرّاء -من بصريين وغيرهم- لم يأتوا بشاهد آخر وردت فيه (غير) مبنية بسبب أضافتها الى مبني، كما أوردوا شواهد عدة على يوم وحين وأزمان [3] . وهذا ما يرجح رأي الفرّاء والكوفيين، لاسيما أن الفرّاء قد استشهد على بناء (غير) على الرغم من عدم اضافتها الى المبني، بل اضيفت الى اسم معرب متمكن من الاسميّة، كما في قول الشاعر الذي مرّ قبل قليل وهو:
لا عيب فيها غيرَ شهلةُ عينها كذاك عتاق الطير شُهلًا عيونها
وهذا ما خرق قاعدة البصريين ورجح قول الكوفيين.
النصب بالصفة المشبهة وصيغة المبالغة
(1) أوضح المسالك: 3/ 90.
(2) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 327.
(3) ظ: الإنصاف: 1/ 287 - 293.