فهرس الكتاب
فقال الفرّاء:"أضمر (وترى لليدين) " [1] وهذا التقدير على إضمار فعل يناسب الإسم المنصوب بعد الواو مباشرة، أمرُ لابدَّ منه؛ وذلك للفرار من العطف على معمولي عاملين مختلفين من جهة المعنى [2] ، فاللفظ يسمعُ وجسأة اليدين لاتسمع بل ترى.
وقد أتى الفرّاء بهذا الشاهد وشواهد أخرى؛ ليفسر بها قوله تعالى"يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ" (الواقعة/22) [3] فقال الفرّاء فخفض بعض القرّاء، ورفع بعضهم الحور العين. قال الذين رفعوا: الحور العين لايطاف بهنّ؛ فرفعوا على معنى قولهم: وعندهم حورُ عين، أو مع ذلك حورُ عين" [4] ."
وقال في موضع آخر:"والخفض على أن تتبع آخر الكلام بأوله، وإن لم يحسن في آخره ماحسن في أوله" [5] (وهو كثير في كلام العرب وأشعارهم) [6] .
فمعنى قول الفرّاء"وإن لم يحسن في آخره مايحسن في أوله"لإن المعنى في الأول يختلف عن المعنى في الثاني ولذلك قدّر لهما من قرأ بالرفع ما يخرجها عن المعنى الاول ويكون لها معنى مستقل عن الأول تمامًا.
ومثل هذا الشاهد أيضًا قول الشاعر [7] :
إذ ما الغانيات برَزْنَ يومًا وزجّجن الحواجبَ والعيونا [8]
قال الفرّاء:"فالعين لاتزجج إنما تكحَّل، فردها على الحواجب؛ لان المعنى يعرف" [9] .
(1) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 405.
(2) ظ: النحو الوافي: 3/ 637.
(3) هذه قراءة أغلب القرّاء، وقرأ أُبي وعبد الله والأشهب العقيلي، والنخعي وعيسى بن عمر:"وحورًا عينًا"، ظ: إملاء ما مَنّ به الرحمن للعكبري: 2/ 136، والبحر المحيط: 8/ 206، والمحتسب لابن جني:2/ 309، والتفسير الكبير للرازي: 29/ 154.
(4) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 14.
(5) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 123.
(6) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 14.
(7) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 123، وهو للراعي النَّميري، ظ: ديوانه: 269.
(8) برزّن: ظهرن: وزججّن: أي دققن وتقول: رجل أزج وامرأة زجاء إذا كان كل منهما قد دقق حاجبيه رققهما في طول.
(9) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 123.