فهرس الكتاب
النصب على الأمر
قال الفرّاء في تفسير قوله تعالى:"بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ" (يوسف/83) : الصبر الجميل مرفوع لأنَّه عَزَّى نفسه وقال: ماهو إلا الصبر، ولو أمرهم بالصبر لكان النصب أسهل" [1] ، واستشهد على النصب في ذلك بقول الشاعر [2] :"
يَشْكو إِلىَّ جملى طول السُّرى صَبرًا جميلًا فكلانا مُبْتَلى
فمعنى الأمر فيه أن الشاعر يخاطب جملهُ، وكأنه يأمره بأن يصبر معه صبرًا جميلًا لأنهما مجبران على ذلك السير الطويل فهما مبتليان به، فأنزل الجمل منزلة الإنسان المشتكي.
وروى الخليل هذا الشاهد بالرفع في قوله (صَبْرًا جميلًا) : وهذا على تقدير، مبتدأ محذوف يكون الصبر الجميل خبرًا عنه، أي (أمري وأمرك صبرُ جميل) [3] .
ووافق الخليل سيبويه في الرواية وزاد عليه في التقدير فجعل (صبرُ) خبرًا، مرّة كما جعله الخليل، ومبتدأ مرةً أخرى على تقدير (وصبرُ جميل أمثل) أو ما شابه ذلك [4] . وهذا ما ذهب اليه السيرافي أيضًا [5] ، وأوجب الأعلم الشنتمري أن يكون (صبرُ جميل) على الإبتداء فقط، ولم يُجز عدَّه خبرًا، فقال:"والقول عندي أنه مبتدأ لا خبر له؛ لانه اسم فعل ناب مناب الفعل والفاعل، ووقع موقعه، وتعزى من العوامل فوجب رفعه واستغنى عن الخبر لما فيه من معنى الفعل والفاعل، ونظيره من كلام العرب في الإكتفاء به وحده دون خبر قولهم: حسبك ينم الناس، لأن معناه أكفف ولذلك أجيب كما يجاب الأمر" [6] .
(1) معاني القرآن للفرّاء: 2: 54.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 54، ونسبه السيرافي للمبلد بن حرملة في شرح ابيات سيبويه: 1/ 317، ولم ينسبه غيره، وينظر: امالي المرتضى: 1/ 107، وتهذيب اللعة:1/ 299، وتاج العروس (شكا) ، واللسان (شكا) ، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: 71، والرواية فيها (شكا إلي جملي) ، بالصدر فقط، وشرح الفصيح، لابن هشام اللخمي (ت577هـ) : 118، وروايته موافقة تمامًا لرواية الفرّاء.
(3) ظ: الجمل للخليل: 175.
(4) ظ: كتاب سيبويه: 1/ 321.
(5) ظ: شرح ابيات سيبويه للسيرافي: 1/ 317.
(6) تحصيل عين الذهب: 32، وظ: كتاب سيبويه: 1/ 321.