الصفحة 181 من 406

النصب على التكرير

قال الفرّاء في قوله تعالى:"وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ" (الزمر/60) : (والمعنى ترى وجوهَهم مسودّة، وذلك عربيّ لأنهم يجدون المعنى في آخر الكلمة فلا يُبالونَ ما وقع على الإسم المبتدأ، وفيه أن تكُرَّ ما وقع على الإسم المبتدأ على الثاني كقوله:"لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا"(الزخرف/23) فأعيدت اللام في البيوت لأنها التي تراد بالسقف ولو خفضت ولم تظهر اللام كان صوابًا) [1] .

ومن النصب على التكرير عند الفرّاء قول الشاعر [2] :

ذريني إن أمركِ لن يطاعا وما الفيتنِي حلمي مُضاعا

فقال الفرّاء:"فالحلم منصوب بالإلقاء على التكرير ولو رفعته كان صوابًا" [3] ، أي أن (حلمي) منصوب على تكرير الفعل والتقدير (وما الفيتِ حلمي مضاعًا) أيضًا، وأجاز الفرّاء الرفع فيه على أن يكون مبتدأ، ومابعده خبرًا عنه، وتصبح الجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعولًا ثانيًا لـ (الفيتني) ، وعلى هذا يكون التقدير (وما الفيتني حلمي مضاعُ) .

واستشهد به سيبويه على بدل الاشتمال وهو بدل بعض من كل، وعنده حلمي بدل بعض من كل من ضمير المتكلم في الفعل (الفيتني) وهو الياء [4] . وهذا هو مذهب النحاة جميعًا عدا الفرّاء، حيث جعل النصب فيه على أعادة الفعل وتكريره لينصب حلمي، واجاز فيه أيضًا الرفع كما مرّ.

وقد تابع السيرافي [5] ، والأعلم الشنمتري [6] ، وابن يعيش [7] وابن عصفور [8] وابن عقيل [9] ، سيبويه فيما ذهب اليه.

(1) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 73 ..

(2) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 73،424، كتاب سيبويه: 1/ 77 - 78، ونسبه الفرّاء لعدي بن زيد، ديوانه: 35، الخزانة: 2/ 368، تحصيل عين الذهب: 124، وشرح المفصل: 3/ 65. ونسبه سيبويه الى رجل من بجيلة أو خثعم.

(3) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 73.

(4) ظ: كتاب سيبويه: 1/ 156.

(5) ظ: شرح ابيات سيبويه: 1/ 123.

(6) ظ: تحصيل عين الذهب: 124.

(7) ظ: شرح المفصل: 3/ 65.

(8) ظ: شرح جمل الزجاجي: 1/ 289.

(9) ظ: شرح ابن عقيل: 3/ 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت