فهرس الكتاب
وأرى أن ابن جني والسيرافي قد توسعا كثيرًا في تأويل هذا القول وتفسيره، بل لقد جاء بتفسير له اثقل وأكثر التواءً وابهامًا من القول نفسه، فما كان العرب- وهم اصحاب الإيجاز والبلاغة والبيان0 أن يبنوا كلامهم على مثل هذه التأويلات البعيدة عن الواقع اللغوي، ولو عرف العرب أن قولهم هذا يجعل النحويين يرهقون أنفسهم بمثل هذه التفسيرات المتعبة، لنطقوا به على وفق ما يقتضيه القياس، وذلك بأن يجعلوا الكسرة ضمة فيه.
فقد ردَّ ابن هشام على ما ذهبا اليه، فقال:"ويلزمهما استتار الضمير مع جريان الصفة عل غير من هي له، وذلك يجوز عند البصريين وإنْ أُمِنَ اللبس" [1] .
ومن الأمثلة والشواهد التي ورد الجر عل الجوار فيها عند الكوفيين غير ما ذكره الفرّاء [2] ، قوله تعال:"لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ" (البيّنة/1) ، فـ (المشركين) معطوف عل الذين وحقه الرفع ولكنه جُرَّ لمجاورته الكتاب وهو مجرور بالإضافة، وقوله تعالى:"وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ" (المائدة/6) [3] على من قرأ بجر (أرجلكم) [4] .
وردَّ الأنباري هذا بقوله: "أما احتجاجهم بقوله تعالى:"لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ"فلا حجة لهم فيه؛ لأن قوله (والمشركين) ليس معطوفًا على الذين (كفروا) وإنما معطوف على قوله: (من اهل الكتاب) فدخله الجر لأنه معطوف على مجرور، لا على الجوار. وأما قوله تعالى: "وامسحو برؤوسكم وارجلكم الى الكعبين"فلا حجة لهم فيه أيضًا؛ لأنه على قراءة من قرأ بالجر ليس معطوفًا على قوله (فاغسلوا"
(1) مغني اللبيب: 2/ 684.
(2) ظ: الإنصاف: 2/ 602 - 609.
(3) وفي المصحف الشريف بنصب (ارجلكم) .
(4) قرأ بالجر: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر وهي قراءة أنس وعكرمة والشعبي والباقر (ع) ، وقتادة وعلقمة والضحاك، ظ: البحر المحيط 3/ 437، وكذلك قرأ بالجر ابن عباس ومجاهد وابو جعفر، ظ: معجم القراءات القرآنية، د. احمد مختار عمر ود. عبد العال سالم مكرم: 2/ 195.