الصفحة 191 من 406

وجوهكم وأيديكم) وإنما هو معطوف على قوله (برؤوسكم) " [1] وأرى أن ماذهب اليه الأنباري أرجح عندي من قول الكوفيين في الآية الثانية بخلاف الأولى، فالآية الاولى يتعين أن يكون (المشركين) مجرورًا على الجوار، لأن المعنى يؤيده فيكون معطوفًا (على الذين كفروا) فيدخل ضمنهم المشركون وغير المشركين، اما لو كان (المشركين) معطوفًا على (أهل الكتاب) فإن المعنى لايصح لأن المشركين ليسوا من أهل الكتاب فلا كتاب لهم، وهذا يرجح قول الكوفيين بالجر على الجوار في (المشركين) ."

أما الآية الثاني فقول الأنباري أرجح من قول الكوفيين، لإن عطف (ارجلكم) على الرؤوس أرجح من عطفها على (فاغسلوا وجوهكم وايديكم) ؛ وذلك لأربعة أسباب:

الأول: قال سيبويه:"ولو قلت: مررت بعمر وزيدًا لكان عربيًا ... لانه فعل والمجرور في موضع مفعول منصوب" [2] ، فـ (أرجلكم) على هذا المعنى يصح عطفها مباشرة على محل رؤوسكم وهو النصب لانه في موضع المفعول به المنصوب كما قال سيبويه.

الثاني: أن العطف على العامل الأقرب يكون أرجح من العطف على عامل أبعد منه. إلا إذا كان هناك ما يمنع من ذلك كالقرينة وغيرها، وفي هذه الآية لايوجد ما يمنع العطف على الرؤوس.

الثالث: أن الواو في قوله (وامسحوا برؤوسكم ... ) قد تكون استئنافية وليست عاطفة، لان العطف يوجب إتحاد المعنى، ومعنى (اغسلوا) يختلف عن معنى (امسحوا) فالإستئناف يكون أرجح من العطف، فتكون جملة (أغسلوا) قد تمت وانتهى الكلام عن الغسُل وكيفيته، وبدأ كلام جديد يتحدث عن المسح.

الرابع: هو أن المطابقة والموازنة في الكلام تُزينه ولاسيما في كلام الله، فحَينما ذكر عزّ وجل الغسُل قيدّه بموضعين هما الوجه واليدين، ثم ذكر بعد ذلك المسح، فقيده بموضعين أيضًا، فتوازنت نسبة الكلام بين فعل الغسل بذكر فاعله ومفعوله، والعطف على مفعوله، وكذلك الحال مع الفعل (امسحوا) فذكر له فاعل ومفعول به ومعطوفًا على المفعول به. وهذا أليق بكلام الله من أن نجعله يذكر شيئًا ثم بتركه

(1) الانصاف: 2/ 609.

(2) كتاب سيبويه: 3/ 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت