الصفحة 192 من 406

ويتحدث عن شيء آخر ثم بعد ذلك يرجع مرة أخرى الى ذلك الشيء الأوّل فيتحدث عنه مرة أخرى بالعطف، وهذا يتناقص مع بلاغة القرآن الكريم وإعجازه. والذي يعزز ماذهبت اليه هو قراءة أغلب القرّاء بالجر في قوله (وأرجلهم) فلولا علُمهم بذلك لما توافقوا على تلك القراءة.

أما النحاة المحدثون، فقد تعددت مذاهبهم في مسألة الجر على الجوار، فقال أحدهم:"وبالجملة فالجّرُّ على الجوار مطلقًا مسموعُ عن العرب ووارد في فصيح الكلام وقد عقد النحاة لذلك بابًا على حدَّتهِ لكثرته ولما فيه من المشاكلة" [1] .

وقد أرجع الدكتور تمام حسان الجر على الجوار، الى الموسيقى التي يتواخاها العرب منه، فقال:"فاغنتْ عندهم قرينة التبعية عن قرينة المطابقة في العلامة الإعرابية وهي لفظية وكان الداعي الى ذلك داعيًا موسيقيًا وقد سماه النحاة (المجاورة) ". [2]

ووافقه في ذلك الدكتور نعمة رحيم العزاوي إذ قال:"وكان الداعي الى التضحية بالقرينة اللفظية هو سبب جمالي يكمن في التوافق النغمي بين المتجاوريَن وجعلهما متحدين في الحركة، وقد أسعفتهم بذلك القرينة المعنوية، إذ من الواضح ان كلمة (خرب) هي نعت للحجر) [3] وأرى أن ماذهبا اليه سليمُ تمامًا، ويكاد يكون أفضل تعليلًا لهذه الظاهرة إذ هو من قبيل الإتباع الحركي على المجاورة، وهو أهون واسلس وأسهل على العربيّ بكثير مما لو كان جاريًا على الأصل فيه، ولكن سلطة العامل النحويّ فرضت عليهم الأخذ بها واتباعها، وإلاّ فالأمر برمته موسيقيّ كما ذهب اليه الباحثان المعاصران."

وذهب بعضهم الى أن (خرب) مرفوع بضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة [4] ، وهذا القول لايخرج عن دائرة ما قاله الباحثان السابقان، إلاّ أنه كيف

(1) الضرائر ومايسوغ للشاعر، لمحمود شكري الآلوسي: 253.

(2) اللغة العربية معناها ومبناها: 352.

(3) دراسات في اللغة: الجملة العرّبية في ضوء الدراسات العربية الحديثة، د. نعمة رحيم العزاوي: 171.

(4) ظ: الانتصاف من الانصاف على هامش الانصاف، لمحمد محيي الدين عبد الحميد: 2/ 604، والمنتخب من كلام العرب للكرباسي: 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت