فهرس الكتاب
غيرها، بدليل أنهم خرجّوا قراءات بعض القرّاء على النصب بـ (أن) المضمرة، فايّ ضرورة تكون في تلك القراءات القرآنية. وقد فسَّر ابن جني رواية الرفع في (أحضرُ) على الإبتداء، فيكون (أحضر) في تأويل مصدر من أن والفعل في محل رفع مبتدأ، لأن الاصل فيه (أن أحضرَ) فلما حذف (أن) ارتفع الفعل، وعلل هذا بقوله:"ألا ترى أن المبتدأ قد يقع غير اسم محض وهو قولهم وتسمع بالمعيدي خير من أن تراه فتسمع كما ترى فعل وتقديره: أن ننسمع فحذفهم (أن) ورفعهم (تسمع) يدل على أن المبتدأ قد يمكن أن يكون عندهم غير اسم صريح وإذا جاز هذا في المبتدأ على قوة شبهه بالفاعل فهو في المفعول الذي يبعد عنهما أجوز فمن أجل ذلك أرتفع الفعل في قول طرفة: الا أيهذا الزاجري أحضرُ ... عند كثير من الناس لأنه أراد أن أحضر ... فلما حذف (أن) أرتفع الفعل" [1] .
وذهب ابنُ عقيل مذهبًا آخر في هذه المسألة، فاجاز النصب بـ (أن) وهي مضمرة؛ إذا كان قبل الفعل اسمُ صريح فإن لم يكن صريحًا وقصد به معنى الفعل؛ لم يجز النصب نحو: (الطائر فيغضب زيد الذباب) ، فأوجب رفع (يغضب) ؛ لانه معطوف على (طائر) وهو اسم غير صريح؛ لانه واقع موقع الفعل، فهو صلة ل (ال) والصلة لابد أن تكون جملة، فطائر هنا في موضع (يطير) ؛ ولذلك جعل رواية النصب في بين طرفة (احضَر) شاذة لايقاس عليها [2] .
وتابع القرطبي (ت671هـ) ، الكوفيين فيما ذهبوا اليه، فأجاز نصب الفعل على اضمار (أن) ، والرفع فيه على حدّ سواء، فقال:"... فالنصب على اضمار (أن) والرفع على حذفها" [3] .
وكذلك فقد أجاز الآلوسي (ت 1270هـ) النصب على الاضمار إيضًا فقال:"... فلما حذف الناصب ارتفع الفعل ولايجب الرفع بعد الحذف في مثل ذلك خلافًا لبعضهم" [4] .
(1) سر صناعة الأعراب: 1/ 285.
(2) ظ: شرح ابن عقيل: 4/ 20 - 24، وكذلك فقد عدَّ أبو علي الفارسي -قبل ابن عقيل- نصب الفعل بعد حذف (أن) شاذًا أيضًا، ظ: روح المعاني للألوسي: 21/ 33.
(3) ظ: الجامع لاحكام القرآن للقرطبي: 2/ 13.
(4) ظ: روح المعاني: 1/ 308.