الصفحة 207 من 406

فقال الفرّاء فيه:"فنصب ها هنا؛ لأن الإنكار يتطاول. وهو الوجه الثاني من باب حتى وذلك أن يكون ما قبل حتى وما بعدها ماضيين، وهما مما يتطاول، فيكون يفعل فيه وهو ماضٍ في المعنى أحسنَ من فَعَلَ، فنصِب وهو ماضٍ لحُسْن يفعل فيه. قال الكسائي: سمعت العرب تقول: إنّ البعير ليهرمَ حتى يجعلَ إذا شرب الماء مجَّه. وهو أمر قد مضى، و (يجعل) فيه أحسن من (جعل) . وإنما حسنت لأنها صفة في الواحد على معنى الجميع، معناه: إن هذا ليكون كثيرًا في الإبل ... ومثله إنّ الرجل ليتعظم حتى يمرَّ فلا يسلم على الناس، فتنصب (يمرّ) لحسن يفعل فيه وهو ماض" [1] .

والوجه الثاني في حتى عنده ما انشده ابو ثروان له [2] :

أحِبّ لحِبّها السودان حتى أحِبَّ لحبّها سُودَ الكلابِ [3]

فقال الفرّاء فيه:"ولو رفع لمضيه في المعنى لكان صوابا. وقد أنشد نيه بعض بني أَسد رفعًا. فإذا أدخلت فيه (لا) اعتدل فيه الرفع والنصب؛ كقولك: إن الرجل ليصادقك حتى لا يكتمك يسرّا، ترفع لدخول (لا) إذا كان المعنى ماضيًا. والنصب مع دخول (لا) جائز ... والوجه الثالث في يفعل من (حتى) أن يكون مابعد (حتى) مستقبلًا، ولا تبال كيف كان الذي قبلها 0فتنصب، كقول الله عزّ وجل:"لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى" (طه/91) ، و"فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي" (يوسف/80) وهو كثير في القرآن" [4] .

ومن خلال ما قاله الفرّاء بشأن (حتى) ونصب المضارع بعدها، ومن خلال ما استشهد به على ذلك من القرآن الكريم والشعر، أستطيع أن أُوضح وأبين مذهبه في ذلك، على ثلاث حالات كما قال هو وكما قرره النحاة [5] ، ولكن بإيضاح وإيجاز:

الحالة الأولى: إذا جاء قبلها فعل ماض، وبعدها فعل مضارعُ، ولكن معناه الماضي، أي بمعنى، مضارع في صيغته اللفظية، وماضٍ في معناه الى الحد الذي يجعل الفعل الماضي قبل (حتى) قريبًا من معناه، وذلك بأن يكون الفعل الذي قبل (حتى) قابلًا

(1) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 134 - 135.

(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 135.

(3) لم يُنسب الى قائله، ظ: عيون الأخبار لابن قتيبة: 4/ 43.

(4) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 135 - 136.

(5) ظ: النحو الوافي: 4/ 338 - 349.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت