الصفحة 209 من 406

وقد خُضْن الهجير وعُمن حتى يفرّجُ ذاك عنهن المسَاءُ

الحالة الثالثة: جواز الرفع والنصب في الفعل المضارع بعد (حتى) ؛ وذلك إذا كان ماقبلها ومابعدها فعلين مضارعين، ولكن زمنهما ليس للحال أو الاستقبال بل للمضي، فهما ماضيان في المعنى، مضارعان في اللفظ، وهما مما يتطاول معناهما، وهذا ماعناه الفرّاء بقوله:"وذلك أن يكون ماقبل حتى ومابعدها ماضيين، وهما مما يتطاولَ"أي ان معناهما لايحدث بتمامه دفعة واحدة بل يمتد الى وقت معين. ومن ذلك عند الفرّاء قول النابغة الذي مرّ:

وتذكر يوم الروع ألوانَ خيلنا ... من الطعن حتى نحسبَ الجَوْن أشقرا

إلا أن المعنى الذي يدلّ عليه الفعل بعد (حتى) يكون قد تحقق في زمن بعد زمن الفعل الذي قبلها، أي أن زمن الفعل بعدها يُعدُّ مستقبلًا بالنسبة لزمن الفعل قبلها فقط، وليس مستقبلًا كما هو الحال في دلالة الفعل المضارع على المستقبل فكلاهما قد تحقق في الماضي ولكن ما قبلها تحقق قبل الذي بعدها.

فمعنى (ننكر) قد تحقق قبل الفعل (نحسبَ) ، فهم قد أنكروا ألوان خيولهم بسبب كثرة الدماء عليها الناتجة من كثرة الطعن والقتال في الحرب الضروس، وهذا ماجعلهم يعدّون خيولهم ذات اللون الأسود أو الأبيض، شقرّاء، فالقتال والطعن والدماء هي سبب في ذلك؛ ولاشك في أن السبب يحصل قبل المُسبب، ومع ذلك فكلا المعنيين قد وقَعَ في الماضي، فاخبرنا الشاعر عن ذلك كله.

ومن ذلك أيضًا قول الشاعر الآخر:

أحبّ لحِبّها السودان حتى أحِبَّ لحبها سُودَ الكلابِ

فهو بلاشك لم يحب سود الكلاب إلا بعد أن أحب من يقصدها، وكلاهما قد تحقق في الماضي، وهذا ماعناه الفرّاء بقوله فيه:"ولو رفع لمضيه في المعنى لكان صوابًا". فهذه الحالى التي يجوز فيها رفع الفعل المضارع أو نصبه بعد (حتى) تكون قد جمعت بين حالة وجوب الرفع فيه وهي الحالة الثانية، وبين حالة وجوب نصبه في

الحالة الاولى فلما جمعت بين هذين الحالتين، جاز النصب والرفع في المضارع بعد (حتى) على حدٍّ سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت