فهرس الكتاب
أما معنى (حتى) في هذه الحالات الثلاث، فخاضع لما يناسب كل حالة؛ فقد يكون الدلالة على التعليل، أو الدلالة على الغاية، أو يكون الدلالة على الاستثناء أي أن تكون بمعنى (إلا) في الإستثناء، ومن ذلك قول الرسول محمد (- صلى الله عليه وسلم -) "لايستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولايستقيم قلبه، حتى يستقيم لسانه" [1] .
فالرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، لم يرد الاستثناء لذاته، وإنما أراد قصر استقامة الانسان على استقامة اللسان ثم القلب، وذلك من خلال الاستثناء، فكان معنى قوله: لايستقيم ايمان عبد إلا إيمان من استقام لسانه وقلبه"."
فهذه هي حالات الفعل المضارع مع (حتى) التي يجيءُ عليها في الكلام، كما يراها الفرّاء، أما حالات الإسم بعدها، فقال الفرّاء فيها:"فإن ترى بعد حتى اسما وليس قبلها شيء يشاكله يصلحُ عطف مابعد حتّى عليه أو أن ترى بعدها اسما وليس قبلها شيء. فالحرف بعد حتى مخفوض في الوجهين؛ من ذلك قول الله تبارك وتعالى:"تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ" (الذاريات/ 43) ، و"سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" (القدر/5) لايكونان إلا خفضًا؛ لأنه ليس قبلهما اسمُ يُعطفُ عليه مابعد حتى، فذُهب بحتى الى معنى (إلى) . والعرب تقول: أضمنه حتى الأربعاء أو الخميس، خفضًا لاغير، وأضمن القوم حتى الأربعاء. والمعنى: أن أضمن القوم في الأربعاء؛ لأنّ الأربعاء يوم من الأيام، وليس بمشاكِل للقوم فيعطفَ عليهم" [2] ، هذه هي الحالة الأولى في (حتى) مع الأسماء، وهي أن تكون حرف جرٍ بمعنى (إلى) ، وذلك إذا لم يكن شيء قبلها يتصل بما بعدها، أو لا يصح عطف مابعدها على ماقبلها كما ذكر الفرّاء.
الحالة الثانية: (أن يكون ماقبل حتى من الأسماء عددًا يكثر ثم يأتي بعد ذلك الإسم الواحد أو القليل من الأسماء فإذا كان كذلك فانظر الى ما بعد حتى؛ فإن كانت الأسماء التي بعدها قد وقع عليها من الخفض والرفع والنصب ماقد وقع على ماقبل حتى ففيها وجهان: الخفض والإتباع لما قبل حتى؛ من ذلك: قد ضُرب القوم حتى كبيُرهم، وحتى
(1) ظ: نهج البلاغة: 2/ 94، ومسند أحمد بن حنبل: 3/ 198.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 137.