الصفحة 212 من 406

أي أن يكون مابعد (حتى) له علاقة بما قبله، ولكن ليس داخلًا في حكمه، فلا يُراد اشراكه معه في حكمه؛ لأن معنى (حتى) يكون الدلالة على انتهاء الغاية عندها، فلا يصل الى ما بعدها وهذا ماعناه الفرّاء بقوله: (اذا لم يؤكل الرأس لم يكن إلا خفضًا) .

وعلى ذلك يكون الفرّاء قد أوكل الخفض والنصب والرفع كذلك الى المعنى نفسه فحينما لاتكون هناك صلة بين مابعد (حتى) وما قبلها، أو تكون هناك علاقة من ترابط في المعنى إلا أنها غير مرادة في الحكم، وجب الخفض، وإن أُريد اشراك مابعدها في حكم ماقبلها، وجب الإتباع بالعطف. أما الرفع فيما بعدها كقول الفرزدق [1] :

فيا عجبًا حتى كُلَيْب تسُبُّني كأنَّ أباها نَهْشك أو مجاشع

فقال فيه الفرّاء:"فإن الرفع فيه جيّد وإن لم يكن قبله اسم؛ لأنَّ الأسماء التي تصلح بعد حتى منفردة إنما تأتي من المواقيت؛ كقولك: أقيم حتى الليل. ولاتقول أضرب حتى زيدٍ؛ لانه ليس بوقت، فلذلك لم يحسن إفراد زيد واشباهه، فرفع بفعله، فكأنه قال: ياعجبًا أتسُّبني اللئام حتى يسبني كليبي، فكأنه عطفه على نيّة أسماء قبله. والذين خفضوا توهموا في كليبٍ ماتوهموا في المواقيت، وجعلوا الفعل كأنه مستأنفُ بعد كليب كأنه قال: قد انتهى بي الامر إلى كليبٍ، فسكت، ثم قال تسبني" [2] . وعدَّ الخليل أن (كليبُ) هنا فاعل لفعل محذوف، فقال:"... وإذا وقعت حتى على الاسماء جرى على الفاعل والمفعول" [3] ، فجعله فاعلًا، لفعل محذوف، وعدَّه سيبويه مبتدأ فقال:"فحتىَّ هنا بمنزلة"

إذا، وإنما هي ههنا كحرف من حروف الابتداء" [4] . أي: كليّبُ تسبني."

وجعل المبرد (كليب) مبتدأ، وخبره محذوف والتقدير عنده: وحتّى كليبُ هذه حالها [5] ، ولمثل هذا ذهب ابن الوّراق حينما قال:"فلو ذكرنا قبْل (حتى) لفظ السّب كقولك: يا عجبًا يسُبَّني الناسُ حتى كليبُ تسبني، لجاز في (كليب) الرفع والجرَّ، فالرفع على الإبتداء والخبر، والجرَّ على الغاية ويكون (تسبني) توكيدًا للسبّ المتقدم، وإذا رفعت فعلى الابتداء والخبر، إلا أن البيت لما لم يُذكر في أوله السب لم يُجز ان تخفض (كليب) لانه"

(1) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 137، ديوانه: 518.

(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 138.

(3) الجمل: 206.

(4) كتاب سيبويه: 3/ 18.

(5) ظ: المقتضب: 2/ 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت