فهرس الكتاب
ويمكن حمل هذا الشاهد على الأصل في اضافة (بين) الى المتعدد؛ وذلك على الإتساع في معنى (حومل) أيضًا، لأنه موضع قد يسع منازل آل ليلى جميعًا فتكون هذه المنازل جميعًا واقعة ضمنه وداخلة فيه، وهذا ماقصده الفرّاء بقوله السابق، لأن أهل حومل لهم عدة منازل في مواضع متعددة في (حومل) ، وكذلك الحال في موضع (عُرَاد) ، فيكون المعنى: قفا نسأل منازل آل ليلى الواقعة بين مواضع حومل ومواضع عُرَاد، وهذا هو المعنى الذي كان الشاعر قد قصده.
اضافة الشيء الى غير ما يُضاف اليه لوضوح المعنى
قد يُضاف الإسم الى اسم لايوافقه في المعنى، فلا يضاف اليه في المعنى، وإنما يضاف اليه في اللفظ الظاهر، والمعنى لايفهم من هذه الاضافة، وإنما يفهم لوضوح ذلك الامر من خلال سياق الكلام وظروفه ومتعلقاته.
وجعل الفرّاء من هذا قوله تعالى:"وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ" (البقرة/ 171) . فقد اضاف الله سبحانه وتعالى (مثل) الى (الذي) في الظاهر، ولكن المعنى يفهم من خلال (الذي) وصلته وما يتعلق به، فقال الفرّاء:"أضاف المثل الى الذين كفروا، ثم شبههم بالراعي. ولم يَقل: كالغَنم والمعنى -والله اعلم- مثل الذين كفروا كمثل البهائم التي لاتفقه مايقول الراعي أكثر من الصوت، فلو قال لها: أرعَىْ أو أشربي، لم تَدْرِ ما يقول لها: فكذلك مثل الذين كفروا فيما يأتيهم من القرآن وإنذار الرسول. فأضيف التشبيه الى الراعي، والمعنى -والله اعلم- في المرعى. وهو ظاهر في كلام العرب أن يقولوا: فلان يخافك كخوف الأسد، والمعنى كخوفه الأسدَ؛ لان الأسد هو المعروف بأنه المُخوف" [1] .
واستشهد الفرّاء على هذا المعنى أيضًا بقول النابغة الذبيانيّ [2] :
لقد خفتُ حتى ما تزِيُد مخافتي على وعلٍ في ذي المطارة عاقلِ [3]
(1) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 99.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 99، 3/ 272، ظ: ديوانه: 144.
(3) ذي المطارة: اسم جبل، وقيل البقعة التي يُطار منها، الوَعِل: تيس الجبل.