الصفحة 24 من 406

وقد أحسن الباحث قاسم كتاب عطا الرَّد على من دعا الى فصل الشعر عن النثر فقال:"... أنّ الفصل بين لغة الشعر ولغة النثر في القواعد أمرٌ فيه تشويه للغة نفسها، فوضع نظامين قواعديين أحدهما للشعر والآخر للنثر في لغة واحدة منهجُ يخالف طبيعة اللغات، وهو يؤدي إلى كثير من الخلط والإضطراب، لأنَّنا لايمكن أن نضعَ قواعد للشعر إلاّ أن نقول: للشعراء أن يقولوا ما يشاؤون دونما حساب لقواعد اللغة ... كلُّ ذلك يُبيّن أن الفصل بين الشعر والنثر في القواعد أمرٌ لاسبيل الى تحقيقه. ومما يمكن قوله هنا -إنصافًا بين من تعصَّب للشعراء ومن تعصَّب عليهم-: إنَّ لغة الشعر لغةُ خاصة يقيدها الوزن وتحدَّها القافية، ويسودها أسلوب شعري خاص ربما عاقت اللغة بقوانينها بعض انطلاقاته، ولذلك كان لزامًا أن يمنح الشاعر ما يميزه عن الناثر من ضروراتٍ مسموحٍ بها [1] يستعملها متى شاء دونما حرج أو مؤاخذة ... وما ارتكب الشاعر من سواها فهو شذوذ لايجوز له، ولايحق" [2] ، وما ذهب اليه هذا الباحث يكاد يكون أقرب الى القبول مما ذهب اليه قبله من النحاة؛ لأنَّ الشعر ديوان العرب وبه حُفظت الانساب وعُرِفت المآثر، ومنه تُعلِّمت اللغة، وهو حجَّة فيما أشكل من غريب كتاب الله -جلَّ ثناؤه- وغريب حديث رسول الله -صلهم- وحديث صحابته والتابعين" [3] ."

فالشعر يمثلُّ الركن الأساس -بعد القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف- في معرفة كلام العرب، بل يُمثل مظهرًا مهمًا من مظاهر حياتهم فله منزلة رفيعة في نفوسهم إذ (كانوا يتناشدونه في كل مكان ضمَّ جماعة منهم ويحفظونه ويتداولونه" [4] ، ولذلك بدأ تفسير القرآن أول ما بدأ مقترنًا بالاستشهاد بالشعر"ففي القرآن كلمات غريبة يحتاج المفسر عند بيان معناها الى الإستشهاد بشيء من كلام العرب، ليعلم أن التفسير لم يخرج

(1) انظر هذه الضرورات في: ميزان الذهب في صناعة شعر العرب للدكتور أحمد الهاشمي: 24 - 27.

(2) الشاهد الشعري الشاذ في كتب النحو حتى نهاية القرن الخامس الهجري لقاسم كتاب عطا الله: 15 - 16.

(3) الصاحبي في فقه اللغة لاحمد بن فارس: 275.

(4) الشواهد والاستشهاد في النحو لعبد الجبار التابلة: 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت