الصفحة 261 من 406

وفصَّل ابنُ جني مذهب سيبويه في هذا على غيره من غير علةٍ فقال:"ومذهب سيبويه فيه الفصل بين بداهة وقارح وهذا أمثل عندنا من مذهب غيره فيه" [1] . وتابعهم في هذا كذلك الاعلم الشنتمري، فجعل الفصل بين (العلالة) و (قارح) ضرورة شعرية؛ والذي سوَّغها هو أن (العلالة والبداهة) يقتضيان الاضافة الى قارح اقتضاءً واحدًا فأُنزلتا منزلة اسم واحد مضاف الى القارح كما قالوا (ياتيم تيمَ عدي) ، فلما اضطر الشاعر الى الاختصار والتقديم حذف الضمير وقَدّم البداهة فضمها الى العلالة. فلقيت القارح فاضيفت اليه، وقد كانت العلالة مضافة الى القارح قبل تقديم البداهة فبقيت على اضافتها [2] .

وتابع ابن عصفور الفرّاء في ماذهب اليه، فجعل هذا من باب حذف المضاف من المضاف (علالةَ) لكن التنوين في المضاف لم يرجع اليه بعد حذف المضاف اليه منه؛ لأنه كالمضاف، أي بقي على حاله من دون تنوين كما لو كان المضاف اليه مذكورًا، وليس كما ذهب المبرد [3] ، فقال:"... فإنَّ مذهب أبي العباس المبرّد على غير طريقة الحذف؛ لأنه لايحذف الأول لدلالة الثاني عليه وإنما يحذف الثاني لدلالة الأول عليه، والدليل على فساد مذهبه أنّه لايخلو أن تقدّر إلا عُلالة قارح أو بداهة قارح أو نقدَّر بداهته، فإن قُدّر أو بداهة قارح فلايجوز اعادة الأول بلفظهِ إلا قليلًا، فلم يبق إلا أن نقدر أو بداهتهِ فإذا حذف قارح الأول لم يبق للضمير مايعود عليه وسيبويه رحمه الله يحذف الضمير من بداهة واقحم أو بداهة بين المضاف والمضاف اليه" [4] .

وعدَّ العيني أن كلا المذهبين -مذهب الفصل، ومذهب الحذف- هو مخالفة للأصل [5] .

وأرى من خلال هذا أن مذهب الفرّاء هو الأيسر من غيره، لأنه جعل العلالة مضافة الى سابح او قارح- على اختلاف الرواية- وجعل (بُدَاهةَ) مضافة أيضًا ولكن المضاف حُذف، وبقيت بداهة مضافة على حالها، كما تضاف (قبل) و (بعَد) واشباههما

(1) الخصائص: 2/ 407.

(2) ظ: تحصيل عين الذهب: 143.

(3) ظ: شرح الجمل لابن عصفور: 2/ 97.

(4) شرح الجمل: 2/ 97.

(5) ظ: المقاصد النحوية: 3/ 456.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت