الصفحة 269 من 406

زيادة حرف الجر (مِنْ) لبيان المعنى

أجاز الفرّاء أن يأتي حرف الجر (من) زائدًا لتوضيح المعنى حينما يكون فيه شيُ من الإبهام والغموض، كما لو كان المعنى عائدًا الى (مَن) و (ما) الموصولتين بمعنى (الذي) ، فإن فيهما إبهامًا وغموضًا، فيأتي حرف الجر (من) بعدهما موضحًا المعنى، ودافعًا ذلك الإبهام والغموض فيه.

فمن هذا قوله تعالى:"وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ" (النحل/49) فجاء بـ (من) في قوله (من دابةٍ) توضيحًا لمعنى (ما) الموصولة لأن ... إبهامًا فقال الفرّاء: (فقال:(من دابةٍ) لأن (ما) وإن كانت قد تكون على مذهب (الذي) فإنها غير مؤقتّة، وإذا أُبهمت غير مؤقتة أشبهت الجزاء، والجزاء تدخل (مِن) فيما جاء من اسم بعده من النكرة. فيقال: من ضربه من رجُل فاضربوه. ولا تسقط في هذا الموضع. وهو كثير في كتاب الله عزَّ وجلَّ. قال الله تبارك وتعالى:"مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ" (النساء/ 79) وقال:"وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (النساء/ 124) وقال:"أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ" (النحل/ 48) ولم يقل في شيء منه يطرح (مِنْ) كراهية أن تشبه أن تكون حالًا لمَن وَمَا، فجعلوه بمن ليدلّ على أنه تفسير لما وَمن لأنهما غير مؤقتتين، فكان دخول (مِن) فيما بعدها تفسيرًا لمعناهما، وكان دخول (مِن) أدلَّ على مالم يؤقت مِنْ مَن وما، فلذلك لم تُلْقيا" [1] ."

ومثل هذا قول الشاعر [2] :

حازلك الله ما آتاك من حَسنٍ ... وَحيثما يقض أمرًا صالحًا تكُن

فجاء حرف الجر (من) توضيحًا لمعنى (ما) الموصولية بمعنى (الذي) لأنها مبهمة غير واضحة المعنى وهذا ما قصده الفرّاء بقوله (غير مؤقتة) أي غير محددة أو

مقيدة [3] وإن كانت معرفة ففيها أبهام وغموض.

(1) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 103.

(2) السابق: 2/ 103.

(3) ظ: (المصطلح الكوفي) بحث للدكتور محي الدين توفيق ابراهيم، مجلة التربية والعلم، جامعة الموصل، 1979، ص17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت