الصفحة 273 من 406

فراقي) لايختلف لو قلنا (لفراقي) ، فلما تطابق معنى الحرفان في هذين الموضعين جعلهما الفرّاء من باب تكرار حرف الجر، كما هو الحال في قراءة عبد الله لقوله تعالى السابق.

ومع هذا فلا أرى الفرّاء مصيبًا فيما ذهب اليه في هذا أيضًا؛ لأنه وإن كان حرفا الجر (اللام) و (الى) قد تطابقا في المعنى هنا في هذا الشاهد إلا أنهما لم يكررا في موضع واحد وإنما دخل كلُ منهما على موضع يختلف عما دخل عليه الاخر، فلا يكون دخولهما من باب زيادة حرف الجر او تكراره، بخلاف قول الشاعر [1] :

فأصبحنَ لايسَلنُه عن بما به ... أصعَّد في غاوي الهوى أم تصوَّبا

ففي هذا الشاهد ملاحظتان، الأولى: دخول حرف الجر على حرف الجر، والثانية: زيادة الباء وتكرارها، وقد أجاز الفرّاء هذا؛ لأنه من دواعي اكتمال الشعر، فقد يُزاد أو ينقص فيه، للمحافظة على وزنه الشعري، فقال الفرّاء:"فلو قال: لايسلنه عما به، كان أبين وأجود. ولكن الشاعر ربما زاد ونقص ليكمل الشعر" [2] .

وكذلك فقد جعل الفرّاء قوله تعالى:"عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ" (النبأ/1،2) من ذلك أيضًا، فقد تكرر حرف الجر (عن) مرتين لموضع واحد من حيث المعنى فـ (عن) الاولى دخلت على اسم الاستفهام (ما) المستفهم به عن النبأ العظيم، أي بمعنى أن (ما) التي يُتساءل عنها هي النبأ العظيم، فيكون حرف الجر (عن) قد دخل على (النبأ العظيم) مرتين الاولى في (ما) الاستفهامية، والأخرى في الاسم نفسه وهو النبأ العظيم، وهذا ماقصده الفرّاء بقوله: "ولو وجهت قول الله تبارك وتعالى:"عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ"الى هذا الوجه كان صوابًا في العربيّة. وله وجه آخر يراد: عم يتساءلون يامحمدا؟ ثم أخبر فقال: يتساءلون عن النبأ العظيم. ومثل هذا قوله في المرسلات: " لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ" (12، 13) تعجبًا، ثم قال:"يوم الفصل"أي أجلت ليوم الفصل" [3] .

(1) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 211، ونسب للأسود بن جعفر، ظ: ديوانه:21 وفيه (علو) مكان (غاوي) سر صناعة الاعراب: 1/ 153، اللسان (صعد) والعيني: 2/ 103، والخزانة: 4/ 162، والدرر اللوامع: 2/ 14،12.

(2) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 221.

(3) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 221.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت