والفرس والسريانيين وأهل الشام وأهل مصر" [1] . وأضاف السيوطي قبيلة كنانة الى القبائل التي أُخذ منها ايضًا [2] ."
والحقيقة أن عمل اللغويين والنحاة هذا فيه نظرٌ كثيرُ، وهو ما جعلهم لا يتقيدون فيما اشترطوه في ذلك في مواضع كثيرة، إحساسًا منهم بأن ما جمعوه من نصوص تلك القبائل لايمثل لغة العرب على اتمِّ وجه؛ ولذلك استشهدوا بكلام غيرهم، قال ابن جني (ت: 392هـ) معللًا، عدمَ الاخذ من القبائل الاخرى:"علة امتناع ذلك ماعرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد والخطل. ولو عُلِمَ أنَّ أهل مدينة باقون على فصاحتهم، ولم يتعرض شيءُ من الفساد للغتهم لوجبَ الأخذُ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر. وكذلك أيضًا لو نشأَ في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من اضطراب الألسنة وخيالها، وانتفاض عادة الفصاحة وانتشارها؛ لوجبَ رفض لغتها، وترك تلقي ما يرد عنها" [3] فكأنَّ النحاة (مقتنعين بأنَّ اللغة العربية لغةُ صحراوية، تزدهر في البداوة وتكتمل بالجزيرة العربية. وأنَّ الإقامة في الحضر تفسد الملكة وتنقص البيان، وتجلب اللحن" [4] ."
والواقع اللغوي غير ذلك -كما أثبته ابن جني- فربما فسدت لغة بعض العرب من البدو، وفَصُحت لغة غيرهم من الحضر. ولعلَّ هذين السببين [5] -وغيرها من الاسباب- دفعا بالنحاة الى عدم التمسك بهذا الشرط، وهو ما يفسّر لنا استشهاد البصريين بكلام غير تلك القبائل التي حدّدوها، وكذلك توسّع الكوفيين في الاستشهاد بلغات قبائل عديدة لم يحتجُّ بها البصريون [6] .
بل ربما أوقعهم هذا الشرط بالاضطراب والتناقض في عملهم وهم يجمعون نصوص اللغة وشواهدها، فَجُعل هذا مثلبًا يؤاخذون عليه، وهو ما أحسنَ بيانه الدكتور
(1) كتاب الحروف للفارابي: 147، ظ: كتاب سيبويه: 2/ 192، 3/ 86 - 87، 4/ 90، 181، 440، واصلاح المنطق لابن السكين (ت:244هـ) : 30/ 105، والبارع في اللغة لابي علي القالي (ت:356هـ) : 439 - 450.
(2) ظ: الاقتراح:56، والمزهر: 1/ 211 - 212.
(3) الخصائص: 2/ 5.
(4) تاريخ النقد العربي عند العرب: طه أحمد ابراهيم: 100.
(5) الأول: عدم تمثيل تلك القبائل لكلام العرب جميعًا، والثاني: تسرب اللحن الى لغة بعض القبائل.
(6) ظ: تفصيل ذلك في: القياس النحوي بين مدرستي البصرة والكوفة: 42 - 46، 67 - 74.