مهدي المخزوميّ. فلم يرضَ بما اشترطه اللغويون والنحاة، فقال:"ولا نرى هذا إلاّ لغو الكلام، إنهم يجهلون أنَّ اللغة سليقة وطبيعة ويجهلون أن صاحب اللغة لايغلط في لغته لأنها جزء من حياته التي فُطِر عليها وعادةً من عاداته التي نشأ عليها وإذ كان الجاهليون يغلطون والمخضرمون يغلطون والإسلاميون يغلطون فعلى من بعد هؤلاء يعتمد النحاة؟! وبماذ يحتجّون ومن أين جاءوا بهذه الأُصول التي وضعوها وهذه القواعد التي استنبطوها؟ ألم يستنبطوها من كلام العرب الذين كان هؤلاء الذين يغلطون منهم" [1] . فقد حصروا الأخذ على تلك القبائل التي ذكرها الفارابي وهي جزء ضئيل من قبائل العرب المنتشرة في شمال الجزيرة وجنوبها وفي شرقها وغربها، ثم زعموا أم ماجمعوه من تلك القبائل يمثل لغة العرب جميعًا، بل عدّوا هذا النحو الذي وصلوا اليه، نحوَ العربية كلها وأخذوا يَزنِون به لهجات العرب جميعا! [2] .
بل إن هذا الأساس الذي جعلوه السبيل الوحيد لمعرفة لغة العرب وجمعها لم يتمسكوا به أيضًا، فياليتهم تمسكوا به الى نهاية المطاف في عملهم، وليتهم فعلوا!!"فقد استشهدوا بشعر عدي بن زيد والكميت والطرّماح وجرير والفرزدق وهم من سكان الأمصار، واستشهد بأقوال الموالي ... واستشهدوا بشعر بشار وهو -مع أنه مولى- لم يذق عيشه البدو ولم يبرح الحاضرة إلاّ قليلا" [3] .
وخير دليل يُثبت عدم تمسكهم بما اشترطوه، بل تناقض عملهم وموقفهم تجاه ما اشترطوه هو جعلهم قريشًا أفصح العرب [4] ، قال ابن خلدون (ت:808هـ) :"كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها، لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف، وهذيل، وخزاعة، وبني كنانة، وغطفان، وبني أسد، وبني تميم، وأما من بَعُدَ عنهم من ربيعة، ولحم، وجذام، وغسان، وإياد، وقضاعة، وعرب اليمن المجاورين لأمم"
(1) مدرسة الكوفة للدكتور مهدي المخزومي: 75.
(2) ظ: مدرسة الكوفة: 76.
(3) السابق: 76.
(4) ظ: الصاحبي في فقه اللغة لأحمد بن فارس: 23، والدراسات اللغوية عند العرب، لمحمد حسين آل ياسين: 332.