الفرس والروم والحبشة، فلم تكن لغتهم تامّة الملكة لمخالطتهم الأعاجم، وعلى نسبة بعدهم عن قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل صناعة العربيّة [1] "."
وقول ابن خلدون هذا ليس بشيء عندي؛ لأنه (لو كان مقياس الفصاحة هو الإنعزال في كبد الصحراء وعدم الإتصال بالأجانب لكانت لغة قريش أبعد اللغات عن الفصاحة) [2] . فقد ذكر ابن عباس (ت:68هـ) أن اتصال قريش بالقبائل العربية المختلفة من جهة وبالامم الاجنبيّة من جهة أخرى، إتصال قديم، يدلّ عليه ما جاء في القرآن الكريم من كلمات أجنبية، فارسيّة ويونانية ونبطية [3] . فهذا يدلُّ بوضوح على اختلاط قريش بالأعاجم على اختلاف اممهم، فكيف تكون أفصح العرب؟!.
فقريش كانت على اختلاط مستمر بالقبائل العربية بسبب التجارة ومواسم الحج فأخذت تتأثر بلغات العرب الفصيحة، ثم أخذت تنتقي الأفصح والأحسن من تلك اللغات الى الحد الذي خلت فيه لغتها من كل استعمال قبيح او غير مستحسن، وحوت كل فصيح قال الفرّاء:"كانت العرب تحضر المواسم في كل عام وتحج البيت في الجاهلية، وقريش يسمعون لغات العرب، فما استحسنوه من لغاتهم تَكلموا بع، فصاروا أفصح العرب، دخلت لغتهم من مستشبع اللغات ومستقبح الألفاظ" [4] فالفصاحة اذن ليست راجعة الى لغة قريش نفسها وليست بنابعة منها، إنما جاءت اليها بفعل هذا الإختلاط بينها وبين القبائل العربية الفصحى وهذا ما يفهم أيضًا من قول الفارابي الذي تمسك به اللغويون واستدلّوا به على أن قريش افصح العرب، وأنا أرى عكس ما
(1) مقدمة ابن خلدون: 555.
(2) مدرسة: الكوفة: 77.
(3) ظ: اللغات في القرآن الكرين لإبن عبّاس: 1/ 159، وظ: ضحى الاسلام لأحمد أمين: 2/ 248 - 249.
(4) المزهر في علوم اللغة وانواعها للسيوطي: 1/ 133، وظ: مدرسة الكوفة: 77.