الصفحة 32 من 406

رأوه فيه:"كانت قريش أجود العرب انتقاءً للأفصح من الألفاظ وأسلسها عند النطق، وأحسنها مسموعًا وأبين إبانة عمّا في النفس" [1] .

ولعلَّ هذا ماجعل الفارابي يهمل لغة قريش فلم يذكرها مع القبائل التي أُخذ عنها، لأنه ثبت عنده أن قريشًا كانت كثيرة الإختلاط بالقبائل غير الفصيحة وبالاقوام الأخرى غير العربية، ولاسيما في مواسم الحج والتجارة -كما ذكر ذلك الفرّاء- على الرغم من إدعاء اللغويين أن لغة قريش أفصح لغات العرب واصفى لهجاتها [2] . وقد ذكر الدكتور علي عبد الواحد وافي ان انتشار لهجة قريش، يرجع الى كثرة احتكاكها بالقبائل العربيّة ولهجاتها المختلفة بفعل عوامل دينية واقتصادية وسيّاسية، وأنها كانت (أوسع اللهجات العربيّة ثروةً واغزرها مادة .. وتمَّ لها ذلك ما أُتيح لاهلها من وسائل الثقافة وما أُتيح من فرص كثيرة للإحتكاك بمختلف اللهجات العربيّة) [3] .

وبعد هذا كله آن لنا أن نُصرِّح بحقيقة أغفلها اللغويون والنحاة أو تناسوها، وهي أنهم جميعًا متفقون على أن قريش كانت اكثر القبائل العربيّة احتكاكًا بالقبائل العربيّة الأخرى، وأكثرها اختلاطًا بالأقوام الأعجميّة، وأنها كانت تنتقي وتختار ما تستحسنه وما تراه جميلًا من لغات القبائل العربيّة فتتكلم به على لسانها فيصبح منسوبًا اليها. وهذا ما يجعلنا نُصَحَحُ فكرةً اعتاد عليها اللغويون والنحاة -قديمًا وحديثًا- بأن لغة قريش هي افصح اللغات، وهي فكرةٌ مغلوطةٌ يجب ان ننبه عليها، ونؤكد -بما لايدع مجالًا للشك- أن لغة قريش لم تكن أفصح لغات العرب للأسباب الاتية:

أولًا: إن قريشًا كانت حضريّة تسكن مدينة تجارية تختلط فيها مئات الأُمم، عرب، هنود، فرس، أحباش، فكيف تكون لغُتها صافية؟! [4] .

(1) كتاب الحروف: 147، وظ: الرواية والاستشهاد باللغة للدكتور محمد عيد: 162، والعربية بين امسها وحاضرها للدكتور ابراهيم السامرائي: 23 - 24، وتجديد النحو العربي للدكتور عفيف دمشقية: 64، المدرسة البغدادية في تاريخ النحو للدكتور محمد حسني محمود: 129.

(2) ظ: مدرسة الكوفة: 56 - 57.

(3) فقه اللغة للدكتور علي عبد الواحد وافي: 109 - 111.

(4) ظ: تاريخ اليعقوبي: 1/ 237، وتاريخ الطبري: 2/ 34، 131، ومعجم البلدان لياقوت الحموي: 4/ 336.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت