وقد ردَّ المبرد كذلك هذه القراءة فقال (لايَحِلُّ القراءة بها) [1] ، وقد أجاز هذا ابن يعيش، وردَّ على المبرِّد قوله، فقال:"وهذا القول غير مرضي من أبي العباس لأنّه قدرواها إمامُ ثقة ولاسبيل الى ردَّ نقل ثقة مع أنه قد قرأ بها جماعة من غير السبعة كابن مسعود وابن عباس والقاسم وابراهيم النخعي والأعمش والحسن البصري وقتادة ومجاهد وإذا صحَّتِ الرواية لم يكن سبيل الى ردها" [2] .
وتابع الزجاجُ المبردَ في ردّه لقراءة الجر فقال:"القراءة الجيدة نصب الأرحام والمعنى واتقوا الأرحام أن تقطعوها، فأمّا الجر في الأرحام فخطأ في العربية ولايجوز إلاّ في اضطرار شعر وخطأ أيضًا في امر الدين عظيم، لأنَّ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: لاتَحْلفِوا بآبائكم فكيف يكون تساءلون به وبالرحم على ذا؟" [3] .
وتابعَ السيوطي ابنَ يعيش فخطأ من ردَّ هذه القراءة؛ لأنها (ثابتةٌ بالأسانيد المتواترة الصحيحة التي لامطعن فيها، وثبوت ذلك دليل على جوازه في العربية) [4] .
وقد أورد الكوفيون شواهدَ أخرى من القرآن الكريم عُطف فيها على الضمير المضمر دون اعادة الجار، منها قوله تعالى:"وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" (البقرة/217) . فعطف (المسجد الحرام) على الهاء. وتأوّلها البصريون فعندهم ان (المسجد الحرام) مجرور بالعطف على (سبيل اللهِ) وليس معطوفًا على (به) والتقدير: (وَصدٌ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام؛ لأن إضافة الصد عنه اكثر في الاستعمال من اضافة الكفر به، فهم يقولون: صددته عن المسجد ويقولون: كفرتُ بالمسجد) [5] . وأرى أن البصريين قد جانبوا الصواب في تأويلهم هذا؛ لأن عطف (المسجد الحرام) على (سبيل الله) يستلزم العطف على المصدر قبل إكمال معمولاته وهذا لا يصحُّ باتفاق [6] ، قال ابنُ
(1) شرح المفصل: 3/ 78.
(2) السابق: 3/ 78.
(3) معاني القرآن واعرابه: 2/ 86.
(4) الاقتراح: 49.
(5) ظ: الانصاف: 2/ 471 - 472.
(6) ظ: الشاهد الشعري الشاذ: 187.