غير الوارد في الرواية (ألم يبلغْك) مثلًا، فيبقى له ما أراد من معنى، ويسلم سلطان الاستعمال اللغوي وتسلم معه القاعدة النحوية" [1] ."
والظاهر من كلام الدكتور عفيف دمشقية، هذا أنه لم يَطَّلعْ على الروايات الأخرى التي ذكرناها في الشاهد، فاقترح رواية من عنده كان الشاهد قد روي عليها وهذا أمرُ غريب!.
ومثل هذا الشاهد وتلك القراءة القرآنية، قول بعض بني حنيفة [2] :
قال لها من تحِتها وما استوى ... هُزِّي إليك الجِذْع يجنيك الجنى
فقال (يجنيك) ، وكان عليه أن يقول (يجنك) ، إلا أنه أبقى الياء وأجرى الجزم عليها فابقاها ساكنة، ومثل هذا أيضًا قول الشاعر [3] :
هجوتَ زبّان ثم جئت معتذِرًا ... من سبّ زَبَّان لم تهجو ولم تدع
فاثبت الواو في الفعل (تهجو) وهو في موضع جزم، فتركه واجرى علامة الجزم عليه وهي السكون فعامله معاملة الفعل الصحيح الآخر.
والخلاصة أنَّ هذا الاستعمال قد ورد في كلام العرب، بل هو لغةٌ لبعض القبائل كبني عبس وبني حَنِيفة، وأورد الفرّاء عدة شواهد شعرية تؤيد ذلك اضافة الى ان اثنين من كبار القرّاء قد قرؤوا بهذا، فلا مجال إذًا لانكاره او عدّه شاذًا كما قال بذلك بعض النحاة، او جعله مختصًا بالضرورة بعضهم الأخر، وإنما هو استعمال أقل شيوعًا من الاستعمال الذي يوجبه القياس وهو حذف حرف العلة من الفعل المضارع المعتل الاخر في حالة الجزم. بل انني أرى فيه يسرًا وسهولة فتكون قاعدة اسكان الحرف الأخير من الفعل في حالة جزمه، مطرّدة في الصحيح وفي المعتل على حدٍ سواء، وفي هذا مظهرُ من مظاهر التيسر في النحو ولاسيما على المبتدئين في تعلمه، فهو ايسر بكثير من حذف الحرف،
(1) المنطلقات التأسيسية والفنية للنحو العربية: 102.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 161، 2/ 187، ولم يُنسب الى قائله، ظ: لسان العرب (يا) .
(3) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 162، 2/ 188، ولم ينُسب، ظ: لسان العرب (يا) وتاج العروس (زبب) .