يستقم إلغاء الأوّل. وأجازه في النصب؛ لأن المنصوب لم يعد ذكره فيما نصبه، فقال: كأن المنصوب لم يكن في الكلام. وليس ذلك كما قال؛ لأنَّ الجزاء له جوابٌ بالفاء، فإن لم يستقبل بالفاء استقبل بجزم مثله ولمُ يلقَ باسم، إلا إَنْ يضمر في ذلك الاسم الفاء. فإذا اضمرت الفاء ارتفع الجواب في منصوب الأسماء ومرفوعها لاغير" [1] ."
وعلةُ الفرّاء في هذا، سديدةٌ؛ لأن جواب الشرط له صورتان:
الأولى: أن يكون فعلًا، فيكون مجزومًا إذا كان مضارعًا، وفي محل جزم اذا كان ماضيًا، ويأتي في هذه الحالة بعد فعل الشرط مباشرة ولم يتقدم عليه شيء.
الثانية: أن لايكون فعلًا، وذلك بأن يتصدره الاسم، فيكون جملة اسمية، وفي هذه الحالة يجب أن تقترن به الفاء الرابطة في جواب الشرط.
فإن لم يكن الجواب على هاتين الصورتين لم يجز أن يتقدمه الاسم، دون تقدير إضمار الفاء فيه.
واستشهد الفرّاء على هذا بقول طُفيل الفنوي [2] :
وللخيل أَيّامٌ فَمَنْ يَصْطَبرْ لها ويَعْرفْ لها أيامَها الْخَيْرَ تُعْقِب [3]
فقال الفرّاء فيه:"فجعل (الخير) منصوبًا بـ (تَعقب) و (الخير) في هذا الموضع نعت للأيام، كأنه قال: ويعرف لها أيامها الصالحة تعقب. ولو أراد أن يجعل (الخير) منصوبًا بـ (تعقب) لرفع (تُعْقب) لانه يريد: فالخير تعقبه" [4] .
وأجاز هذا الكسائي أيضًا، واجاز كذلك الفصل بين الشرط والجزاء بالظرف، نحو: إن تأتني اليوم، غدًا آتيك، وكذلك الفصل بالجار والمجرور، نحو: إن تأتني اليك أقصد، واجاز الرضي اعتراض القسم والدعاء والنداء والجملة الاسمية بين الشرط والجزاء [5] ، إلاّ أنه رجّح مذهب الفرّاء في هذا الشاهد بقوله:"والأكثر جعل المرفوع، مبتدأ، فيجب إذن، رفع المضارع اتفاقًا وتصدير المبتدأ بالفاء نحو: إن قمت فزيدٌ يقوم، وكذا الأكثر تصدير"
(1) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 122 - 123.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 423، وظ: الانصاف: 2/ 621، وشرح الرضي: 4/ 95، وخزانة الادب: 3/ 642، ومعجم ما استعجم: 2/ 559.
(3) معنى الشاهد: أن الخيل، تنفع كثيرًا؛ فمن يصطبر على العناية بها تعقبه بالخير.
(4) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 423.
(5) ظ: شرح الرضي: 4/ 94 - 95.