الصفحة 315 من 406

وما رآه الفرّاء في هذا موافق لمذهب الخليل وسيبويه كذلك، فقال سيبويه:"وسألت الخليل عن قوله جل ذكره:"حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا" (الزمر /73) اين جوابها؟، وعن قوله جلَّ وعلا:"وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ" (البقرة/ 165) ،"وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ" (الانعام /27) فقال: إنَّ العرب قد تترك في مثل هذا الخبر الجواب في كلامهم لعلم المخبر لأيّ شيء وضع هذا الكلام" [1] .

ثم استشهد الفرّاء على ترك جواب الشرط، بقول امرئ القيس [2] :

وأقسم لو شيء أتانا رَسولُه سواك ولكن لم نجد لك مَدْفعا

فقد ترك الشاعر جواب (لو) ؛ وذلك لأنه معلوم لدى المخاطب وطلبًا للإختصار والإيجاز [3] ، فالمعنى فيه: لو أتانا رسولٌ سواك لدفعناه [4] .

وكذلك قد يُترك جواب الأمر إذا أُنزل منزلة الشرط في المعنى، أي أن يكون معناه معنى الشرط، ولكنه بصيغة الأمر، واستشهد الفرّاء على هذا بقوله تعالى:"أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا" (التوبة/53) ، وكذلك قوله تعالى:"اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ" (التوبة/80) ، فقال الفرّاء:"وهو أمر في اللفظ وليس بأمر في المعنى؛ لأنه أخبرهم أنه لن يتقبّل منهم. وهو في الكلام بمنزلة إِنْ في الجزاء، كأنك قلت: إنْ أنفقت طوعًا أو كرهًا فليس بمقبول منك. ومثله (استغفر لهم أو لاتستغفر لهم) ليس بأمر، إنما هو على تأويل الجزاء" [5] .

ومن هذا عنده قول جميل بن معمر [6] ، أيضًا:

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةٌ ... لدينا ولا مقلِيّةٌ إن تقلّتِ

(1) كتاب سيبويه: 3/ 103.

(2) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 7، 63، ديوانه: 24، وفيه (وجدِّك لوشيء أتانا ... ) ، وظ: خزانة الأدب: 1:84.

(3) ظ: تأويل مشكل القرآن لإبن قتيبة: 136.

(4) ظ: شرح المفصل: 9/ 7.

(5) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 441.

(6) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 441، ونسبه محقق الكتاب، لجميل بن معمر، ونُسب أيضًا لكثير عزّة في الاغاني: 9/ 38، وأمالي القالي: 2/ 189، ولسان العرب (سوأ) وتاج العروس (سوأ) ، وتهذيب اللغة: 2/ 318، وهو في ديوان كثير عزة: 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت