وقد خرّج ابنُ جني قراءة طلحة بن سليمان [1] :"أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ" (النساء/ 78) ، على حذف الفاء من الجواب كذلك؛ ولذلك جاءت القراءة بضم الكافين من قوله (يدركُكُم) ، فكأنه قال: فيدرككم الموت [2] . ويمكن ان يكون التقدير: فالموتُ يدرككم، على التقديم والتأخير في جملة الجواب.
وكذلك فقد تعددت مذاهب النحاة المحدثين في هذا أيضًا، فاشترط الدكتور فاضل السامرائي لحذف الفاء من جواب الشرط المستحق لها أن لايؤثر في فهم المعنى ووضوحه فلم يجز حذفها إذا ارتبط وجودها فيه، فقال:"لو قلت:"إن تصبهم سيئةٌ فبما قدمت ايديهم"كان الجزاء (فما قدمت ايديهم) ، وكان المعنى أنه إذا أصابتهم سيّئةٌ فإنه بسبب ما أكتسبته أيديهم، ولو حذفنا الفاء لم يتم المعنى" [3] إلاّ أنه الى عدم الحذف أمْيل منه الى حذفها؛ بحجة أن الحذف يؤدي الى غموض المعنى والتباسه، فقال:"وليست هذه مهمة الفاء فقط، بل قد تفيدنا في تعيين الجزاء وإيضاح المعنى، وإنّ حذفها قد يؤدي الى الإلباس والى عدم اكتمال المعنى في تعبيرات عديدة" [4] . ولم ادر لماذا خفي المعنى على الاستاذ السامرائي في هذا الآية الكريمة او غيرها؟ بحذف هذه الفاء، والعرب ربما حذفت جملًا كاملة ولم يلتبس المعنى، بلّ إنَّ الذي يسوّغ حذف الفاء، هو أنها مرادةٌ ومعناها مقصود في الكلام وإن حذفت منه؛ ولذلك اجاز حذفها محمد النعساني بقوله:"والجواز اقرب الى الصواب وشواهده في العربيّة كثيرة" [5] .
وكذلك فقد أجاز الدكتور عفيف دمشقية الحذف ايضًا، بل ذهب الى أبعد من هذا، فزعم أن اشتراط الفاء في جواب الشرط هو من زعم النحاة؛ لأنّ (اللغة تُبيح للمتكلم في حال وقوع جملة جواب الشرط جُملةً اسميّةً -مصدرةً بـ(أنْ) أو غير مصدرة - أن يكون
(1) قرأ بها طلحة بن سليمان، ظ: المحتسب: 1/ 283، والبحر المحيط: 3/ 299، وحاشية الخضري: 2/ 123.
(2) ظ: المحتسب: 1/ 193.
(3) معاني النحو: 4/ 483.
(4) السابق: 4/ 483.
(5) المفضل في شرح ابيات المفصّل: 322.