وهذا مذهب الكوفيين عامة، ووافقهم فيه أبو الحسن الأخفش وأبو العباس المبرد وأبو القاسم بن برهان من البصريين [1] .
ومنع هذا البصريون، فلم يجوّزوا أن تكون الواو زائدة، وعدّوها في جميع هذه الآيات الكريمات، عاطفة، وجواب الشرط محذوفًا، ففي قوله تعالى:"حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا"، ليكون تقدير المعنى فيه: إذا جاءُوها وفتحت أبوابها فازوا ونعموا. وفي قوله:"حتى إذا فتحت يأجوُجُ وهم من كل حدب ينسلون"يكون الجواب: قالوا ياويلنا، أو يكون جوابها قوله تعالى:"فإذا هي شاخصةٌ ابصارَ الذين كفروا"، وكذلك الحال في ماشابه تلك الآيات، فالواو عندهم لابدَّ أن يكون لها معنى؛ لانه حرف وضع لمعنى [2] .
واستشهد الفرّاء على زيادة الواو قبل جواب الشرط، أيضًا بقول امرئ القيس [3] :
فلمَّا أجزنا سَاحَة الحىّ وانتمى ... بنا بَطْنُ خَبْتٍ ذي قِفاف عَقنْقَلِ [4]
فجاء بالواو زائدة قبل جواب الشرط، لأن المعنى: لمّا أجزنا ساحة الحي انتحى بنا ومثلُ هذا كذلك قول الشاعر [5] :
حتّى إذا قمِلن بطوُنكم ورأيتمُ أبْناءكم شَبُّوا [6]
وقلبتم ظهر المِجَنِّ لنا إنّ اللئيم العاجزُ الخَبُّ
فالواو زائدة في جواب الشرط، وهو قوله (وقلبتم) والمعنى: اذا قملت بطونكم و ... قلبتم ظهر المجن لنا، وقد تأوّل البصريون هذين الشاهدين أيضًا كتأويلهما الآيات السابقة، فجعلوا الواو عاطفة، والجواب محذوفًا، فقدروا في الاول: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى
(1) ظ: الانصاف: 2/ 456.
(2) ظ: الإنصاف: 2/ 459 - 460.
(3) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 50، 211، وظ: ديوانه: 15.
(4) انتحى: اعترض، والخبت: المتسع من بطون الأرض، وقفاف: جمع قف وهو ما ارتفع من الارض، وعقنقل: المنعقد المتداخل.
(5) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 107، 2/ 51، ونسب الى الأسود بن يعفر، ظ: ديوانه: 19.
(6) قملت بطونكم: شبعت وضخمت أو كثرت اولادكم وقبائلكم، المجن: الترس، الحب الخداع، ويقال: قلب ظهر المجن إذا كان وادًا محبًا ثم تغيّر عن مودته وكشف عن بغضه.