فقد قال المبرد (285هـ) في احد شواهد سيبويه:"لايعرفُ قائله، فلا يُحتجُّ به" [1] ، وكان الزجاج (ت:311هـ) يؤاخذ الفرّاء على بعض الشواهد التي لايعرف قائلها، كقوله:"لو كان هذا المنشد المستشهد أعلمنا من هذا الشاعر ومن أي القبائل هو وهل ممن يؤخذ بشعره أم لا ما كان يضرّه في ذلك. وليس ينبغي أن يحمل كتاب الله على (انشدني بعضهم) [2] ."
وكذلك فعل النحاة المتأخرون فعقب ابن يعيش على أحد الشواهد بأنه:"مردود لا يعرف قائله" [3] .
وقد ردّ الاستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد على النحاة في اشتراطهم هذا، فقال:"لانرى لك أنْ تُقرَّ هذا لا في هذا الموضع ولا في غيره، ولا على لسان الكوفيين ولا البصريين -فكم من الشواهد التي يستدلُّ بها هؤلاء وهي غير منسوبة، ولا لها سوابُق او لواحق، وفي كتاب سيبويه خمسون بيتًا لم يعثر لها العلماء بعد الجهد والعناء الشديدين على نسبة لقائل معين" [4] .
ولسنا مع الاستاذ محمد محيي الدين في هذا، لأن ما ذهب اليه فيه نظرٌ؛ لأن (معرفة القائل تجلو الغبار عن كثير مما يحيط الشاهد من ملابسات) [5] .
وذهب عدد من الباحثين المحدثين الى ضرورة معرفة القائل، ودعوا الى أبعاد الشاهد الذي لايعرف قائله عن دائرة الاستشهاد النحوي، منهم الاستاذ سعيد الافغاني [6] والدكتور عبد العال سالم مكرم [7] ، ومحمد حسين آل ياسين [8] .
(1) المقتضب: 2/ 132 - 133، وهو قول الشاعر: (محمدُ تُفدِ نفسكَ كلَّ نفسٍ ... إذا ما خِفت من أمرٍ تبالا) ، ظ: كتاب سيبويه: 3/ 409.
(2) معاني القرآن وأعرابه للزجاج: 2/ 418، وهو قول الشاعر:
(وكأنَّها بين النساء سبيكةُ ... تمشي بسده بتها فتعيّ) ، ظ: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 412.
(3) شرح المفصل لابن يعيش: 2/ 9، وهو قول الشاعر: (إنَّ المنايا يطَّلِعْنَ على الأُناسِ الأمنينا"."
(4) الإنتصاف من الإنصاف على هامش الانصاف، لمحمد محي الدين عبد الحميد: 2/ 583.
(5) الشاهد الشعري الشاذ في كتب النحو حتى نهاية القرن الخامس الهجري، لقاسم كتاب عطا الله: 19.
(6) ظ: في اصول النحو، لسعيد الافغاني: 65.
(7) ظ: القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية للدكتور عبد العال سالم مكرم: 374.
(8) ظ: الأضداد في اللغة لمحمد حسين آل ياسين: 115.