الصفحة 342 من 406

ذكر النحاة أن (إمّا) تأتي حرف عطف مثل (أو) ، وتشاركها في أكثر معانيها، كالتخيير والإباحة، والشك والإبهام، والتفصيل [1] . وذكر الفرّاء أن العرب قد تضع أحداهما مكان الآخر، بسبب هذا التشابه بينما في المعنى، فقال:"ولا تُدخلنَّ (أو) على (إما) ولا (إما) على (أو) وربما فعلت العرب ذلك لتآخيهما في المعنى على التوهم، فيقولون: عبد الله إما جالس أو ناهض، ويقولون: عبد الله يقوم وإمّا يقعد. وفي قراءة أبي:"وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ" (سبأ/24) [2] ، فوضع أو في موضع إما" [3] ، واستشهد على هذا بقول الشاعر [4] :

فقلت لهن امشين إمَّا نلاقهِ كما قال أو نشف النفوس فنعذرا

فقال: (أو نشف) وكان الاصل ان يقول: وإما نشف، ومثله أيضًا قول الشاعر [5] :

فكيف بنفس كلما قلت أشرفت على البرء من دهماء هيض اندمالها

تُهاض بدارٍ قد تقادم عهدُها وإما بأمواتٍ ألمَّ خيالها [6]

فوضع الشاعر (وإما) في موضع (أو) وهو على التوهم إذا طالت الكلمة بعض الطول او فرقت بينهما بشيء هنالك يجوز التوهم) [7] . وذلك لأن الغالب في استعمال (إما) أن تكون مكررة وأن معنى الكلام معها، لايَدلُّ على ماجاء من اجله إلا بذكرهما معًا، أما (أو) فلا تكرر ويكون الكلام قبلها مجزومًا أو خبرًا تامًا ثم تأتي لتعطف عليه كلامًا آخر يدلّ على معنى يختلف عن الاول. وهذا ماقصده الفرّاء بقوله:"فإن قلت إن (أو) في المعنى بمنزلة (إمّا وإمّا) فهل يجوز أن يقول يازيد أن تقوم أو تقعد؟ قلت: لايجوز؛ لأن"

(1) ظ: شرح ابن عقيل: 2/ 234، وشرح الرضي: 4/ 395 - 404.

(2) هذه قراءة أُبي، ظ: الكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن ابي طالب القيسي: 3/ 289، ومختصر في شواذ القراءات لإبن خالويه: 123 (لأيما) مكان (امّا) .

(3) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 389 - 390.

(4) السابق: 1/ 390.

(5) السابق: 1/ 390.

(6) الهيض: كسر العظم بعدما كاد يستوي جبره، ويقال: هاضك الشيء إذا ردَّكَ الى مرضك، والاندمال: والتماثل من المرض والجرح. ظ: كتاب العين (هيض) ، ولسان العرب: (هاض، دمل) .

(7) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 390.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت