فهرس الكتاب
كفّاك كفّ ما تليق دِرهما جُودًا وأخرى تعطِ بالسيف لدَمَا
فقال: تعط، وهو يعني كفه، والاصل أن يقول: تعطي، وكذلك قول الشاعر [1] :
ليس تخفى يسارتي قدر يوم ولقد تخفِ شيمتي إعساري
فحذف الياء من (تخفي) واكتفى عنها بالكسرة. ومن خلال تتبع أقوال الفرّاء في هذا الحذف، أجده يرجعه الى ثلاثة أسباب هي:
1.أن العرب قد تحذف هذه الحروف من غير علةٍ، وتجتزئ منها بالحركات التي تدلَّ عليها وهي الضمة والكسرة، كما في الشواهد السابقة، وربما تكون العلة فيها كثرة الاستعمال كما هو عند سيبويه [2] .
2.ان حذف هذه الحروف قد يكون لغرض المشاكلة والتناغم الصوتي في الكلام، ومنه قوله تعالى:"وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ" (الفجر/4) فقال الفرّاء:"... وقد قرأ الفرّاء: (يسرى) بإثبات الياء و (يسر) بحذفها [3] ، وحذفها أحب إليّ لمشاكلتها رؤوس الآيات" [4] .
3.قد يكون الحذف تخلصًا من التقاء الساكنين، ومنه قوله تعالى:"وَيَدْعُ الإِنسَانُ" (الاسراء/11) ، فقال الفرّاء:"... حذفت الواو منها في اللفظ ولم تُحذف في المعنى؛ لأنها في موضع رفع، فكان حذفها باستقبالها اللام الساكنة. ومثلها"سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ" (العلق/ 18) ، وكذلك"وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ" (النساء/ 146) ، وقوله"يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِي" (ق/41) ، وقوله:"فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ" (القمر/5) ولو كان بالياء والواو كان صوابًا، وهذا من كلام العرب" [5] .
ومذهب أغلب النحاة لم يخرج عما قرره الفرّاء [6] وذكر الزجاج، أن الحذف في هذه الآيات المباركةهو بسبب كونها فواصل والفواصل تحذف منها هذه الحروف [7] .
(1) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 118، 3/ 260، ولم يُنسب الى قائله، ظ: الانصاف:1/ 388، ومعجم شواهد العربية: 1/ 192.
(2) ظ: إعراب القرآن للنحاس: 2/ 302.
(3) الحذف قراءة الجمهور والاثبات قراءة ابن كثير ونافع وابن عمرو، ظ: البحر المحيط: 8/ 468.
(4) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 360.
(5) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 118، ظ: 2/ 27.
(6) ظ: علل النحو: 126، أسرار العربية: 28، شرح المفصل: 7/ 5، 1/ 80، وشرح الجمل: 2/ 585، والاشباه والنظائر: 1/ 256، 7/ 19.
(7) ظ: تفسير الرازي: 31/ 150.