فهاتان الروايتان مع رواية الفرّاء أقرب الى القياس النحوي واللغوي إذ لاتقدير فيهن من ضمير أو اسم بل جاريتان على الاصل فالناس اسمُ كان مرفوع و (نصفين) خبرها منصوب، وشامت على ماقدره الفرّاء مرفوع بالإبتداء، والتقدير عنده:
بعضُ شامت وبعضُ غيرُ شامت [1] ، فقد عنى الفرّاء بقوله مرفوع على الابتداء أن مابعد (نصفين) جملة اسمية من مبتدأ و خبر وعلى تقديره يكون قد حُذف المبتدأ فقدره بـ (بعض) لان الكوفيين يرون أن المبتدأ والخبر يترافعان [2] ، أو يكون التقدير: منهما شامتُ ومنهما غير شامتٍ فعلى هذا التقدير يكون الخبر هو المحذوف لانه شبه جملة وشبه الجملة لايقع مبتدأ.
ومن الرفع على الابتدأ أيضًا عند الفرّاء قول الشاعر:
حتّى إذا ما استقلَّ النجم في غَلس وغودر البقلُ مِلْويُّ ومحصود [3]
فقدره الفرّاء: بعض البقل كذا، وبعضه كذا [4] أي على تقدير حذف المبتدأ من الجملة الأولى ومن الجملة الثانية المعطوفة على الأولى في قوله (ومحصود) أي وبعضه محصود. أو يكون التقدير فيه: (منه ملويُّ ومنه محصود) على تقدير حذف الخبر.
ومن ذلك أيضًا عند الفرّاء قول الشاعر [5]
وكتيبةٍ شعواء ذات أشلّة فيها الفوارس حاسر ومقنَّعُ [6]
والتقدير عند الفرّاء: بعضهم حاسرُ وبعضهم مقنّعُ، أو يكون: منهم حاسرُ ومنهم مقنعُ على التفسرين المذكورين.
ومن ذلك ايضًا، قول معن بن أوس [7] :
(1) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 193.
(2) ظ: الانصاف في مسائل الخلاف للانباري (ت577هـ) : 1/ 44، وشرح الاشموني: 1/ 254، حاشية الصبان: 1/ 186، والموفي في النحو الكوفي: 25.
(3) استقل النجم: ارتفع. الغلَس: ظلام آخر الليل: الملوي: اليابس أو الذابل.
(4) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 193.
(5) السابق: 1/ 193. ولم يُنسب الى قائله.
(6) شعواء: كثيرة متفرقة من قوله شجرة شعواء: منتشرة الاغصان، (أشلة) جمع شليل وهو الغلالة تلبس فوق الدرع أو هو الدرع القصير تكون تحت الكبيرة.
(7) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 187، 407 وديوانه: 35.